سورة النساء · الآية ١٥٥
﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ ۚ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا السؤال الصادر من أهل الكتاب للرسول محمد صلى الله عليه وسلم على وجه العناد والاقتراح، وجعلهم هذا السؤال يتوقف عليه تصديقهم أو تكذيبهم. وهو أنهم سألوه أن ينزل عليهم القرآن جملة واحدة كما نزلت التوراة والإنجيل، وهذا غاية الظلم منهم والجهل، فإن الرسول بشر عبد مدبر، ليس في يده من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وهو الذي يرسل وينزل ما يشاء على عباده، كما قال تعالى عن الرسول، لما ذكر الآيات التي فيها اقتراح المشركين على محمد صلى الله عليه وسلم، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا [الإسراء: 93]. وكذلك جعلهم الفارق بين الحق والباطل مجرد إنزال الكتاب جملة أو مفرقا، مجرد دعوى لا دليل عليها، ولا مناسبة، بل ولا شبهة، فمن أين يوجد في نبوة أحد من الأنبياء أن الرسول الذي يأتيكم بكتاب نزل مفرقا فلا تؤمنوا به ولا تصدقوه؟ بل نزول هذا القرآن مفرقا بحسب الأحوال، مما يدل على عظمته واعتناء الله بمن أنزل عليه، كما قال تعالى: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا * ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا [الفرقان: 32-33]. فلما ذكر اعتراضهم الفاسد أخبر أنه ليس بغريب من أمرهم، بل سبق لهم من المقدمات القبيحة ما هو أعظم مما سلكوه مع الرسول الذي يزعمون أنهم آمنوا به، من سؤالهم له رؤية الله عيانا، واتخاذهم العجل إلها يعبدونه، من بعد ما رأوا من الآيات بأبصارهم ما لم يره غيرهم. ومن امتناعهم من قبول أحكام كتابهم وهو التوراة، حتى رفع الطور من فوق رؤوسهم، وهددوا أنهم إن لم يؤمنوا أسقط عليهم، فقبلوا ذلك على وجه الإغماض، والإيمان الشبيه بالإيمان الضروري. ومن امتناعهم من دخول أبواب القرية التي أمروا بدخولها سجدا مستغفرين، فخالفوا القول والفعل. ومن اعتداء من اعتدى منهم في السبت، فعاقبهم الله تلك العقوبة الشنيعة. وبأخذ الميثاق الغليظ عليهم، فنبذوه وراء ظهورهم، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال الله تعالى: {بل طبع الله عليها بكفرهم} فعلى القول الأول كأنهم يعتذرون إليه بأن قلوبهم لا تعي ما يقول؛ لأنها في غلف وفي أكنة، قال الله [تعالى] (1) بل هو مطبوع عليها بكفرهم. وعلى القول الثاني عكس عليهم ما ادعوه من كل وجه، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في سورة البقرة. {فلا يؤمنون إلا قليلا} أي: مردت قلوبهم على الكفر والطغيان وقلة الإيمان. {وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: "يعني أنهم رموها بالزنا". وكذا قال السدي، وجويبر، ومحمد بن إسحاق وغير واحد. وهو ظاهر من الآية: أنهم رموها وابنها بالعظائم، فجعلوها زانية، وقد حملت بولدها من ذلك -زاد بعضهم: وهي حائض -فعليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. وقولهم: {إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله} أي (2) هذا الذي يدعي لنفسه هذا (3) المنصب قتلناه. وهذا منهم من باب التهكم والاستهزاء، كقول المشركين: {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} [الحجر: 6] . وكان من خبر اليهود -عليهم لعائن الله وسخطه وغضبه وعقابه-أنه لما بعث الله عيسى ابن مريم بالبينات والهدى، حسدوه على ما آتاه الله من النبوة والمعجزات الباهرات، التي كان يبرئ بها الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، ويصور من الطين طائرا ثم ينفخ فيه فيكون طائرا يشاهد طيرانه بإذن الله، عز وجل، إلى غير ذلك من المعجزات التي أكرمه الله بها وأجراها على يديه، ومع هذا كذبوه وخالفوه، وسعوا في أذاه بكل ما أمكنهم، حتى جعل نبي الله عيسى، عليه السلام، لا يساكنهم في بلدة، بل يكثر السياحة هو وأمه، عليهما السلام، ثم لم يقنعهم ذلك حتى سعوا إلى ملك دمشق في ذلك الزمان -وكان رجلا مشركا من عبدة الكواكب، وكان يقال لأهل ملته: اليونان-وأنهوا إليه: أن ببيت المقدس رجلا يفتن الناس ويضلهم ويفسد على الملك رعاياه. فغضب (4) الملك من هذا، وكتب إلى نائبه بالقدس أن يحتاط على هذا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يعملوا بما في
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٦٤٥) ↗التحرير والتنوير
فيه لم يمتنع أن يجمع بين الساكنين في نحو: تعدوا. لأن ما بين حرف اللين وغيره يسير، أي مع عدم تعذر النطق به. [155] فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلا قليلا (155) التفريع على قوله: وأخذنا منهم ميثاقا غليظا [النساء: 154] والباء للسبيبة جارة ل نقضهم، و (وما) مزيدة بعد الباء لتوكيد التسبب. وحرف (ما) المزيد بعد الباء لا يكف الباء عن عمل الجر وكذلك إذا زيد (ما) بعد (من) وبعد (عن) . وأما إذا زيد بعد كاف الجر وبعد رب فإنه يكف الحرف عن عمل الجر. ومتعلق قوله فبما نقضهم: يجوز أن يكون محذوفا، لتذهب نفس السامع في مذاهب الهول، وتقديره: فعلنا بهم ما فعلنا. ويجوز أن يتعلق ب حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [النساء: 160] ، وما بينهما مستطردات، ويكون قوله: فبظلم من الذين هادوا [النساء: 160] كالفذلكة الجامعة لجرائمهم المعدودة من قبل. ولا يصلح تعليق المجرور ب طبع لأنه وقع ردا على قولهم: قلوبنا غلف، وهو من جملة المعطوفات الطالبة للتعلق، لكن يجوز أن يكون «طبع» دليلا على الجواب المحذوف. وتقدم تفسير هذه الأحداث المذكورة هنا في مواضعها. وتقدم المتعلق لإفادة الحصر: وهو أن ليس التحريم إلا لأجل ما صنعوه، فالمعنى: ما حرمنا عليهم طيبات إلا بسبب نقضهم، وأكد معنى الحصر والسبب بما الزائدة، فأفادت الجملة حصرا وتأكيدا. وقوله: بل طبع الله عليها بكفرهم اعتراض بين المعاطيف. والطبع: إحكام الغلق بجعل طين ونحوه على سد المغلوق بحيث لا ينفذ إليه مستخرج
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/١٧) ↗