سورة النساء · الآية ١٥٤
﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا السؤال الصادر من أهل الكتاب للرسول محمد صلى الله عليه وسلم على وجه العناد والاقتراح، وجعلهم هذا السؤال يتوقف عليه تصديقهم أو تكذيبهم. وهو أنهم سألوه أن ينزل عليهم القرآن جملة واحدة كما نزلت التوراة والإنجيل، وهذا غاية الظلم منهم والجهل، فإن الرسول بشر عبد مدبر، ليس في يده من الأمر شيء، بل الأمر كله لله، وهو الذي يرسل وينزل ما يشاء على عباده، كما قال تعالى عن الرسول، لما ذكر الآيات التي فيها اقتراح المشركين على محمد صلى الله عليه وسلم، قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا [الإسراء: 93]. وكذلك جعلهم الفارق بين الحق والباطل مجرد إنزال الكتاب جملة أو مفرقا، مجرد دعوى لا دليل عليها، ولا مناسبة، بل ولا شبهة، فمن أين يوجد في نبوة أحد من الأنبياء أن الرسول الذي يأتيكم بكتاب نزل مفرقا فلا تؤمنوا به ولا تصدقوه؟ بل نزول هذا القرآن مفرقا بحسب الأحوال، مما يدل على عظمته واعتناء الله بمن أنزل عليه، كما قال تعالى: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا * ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا [الفرقان: 32-33]. فلما ذكر اعتراضهم الفاسد أخبر أنه ليس بغريب من أمرهم، بل سبق لهم من المقدمات القبيحة ما هو أعظم مما سلكوه مع الرسول الذي يزعمون أنهم آمنوا به، من سؤالهم له رؤية الله عيانا، واتخاذهم العجل إلها يعبدونه، من بعد ما رأوا من الآيات بأبصارهم ما لم يره غيرهم. ومن امتناعهم من قبول أحكام كتابهم وهو التوراة، حتى رفع الطور من فوق رؤوسهم، وهددوا أنهم إن لم يؤمنوا أسقط عليهم، فقبلوا ذلك على وجه الإغماض، والإيمان الشبيه بالإيمان الضروري. ومن امتناعهم من دخول أبواب القرية التي أمروا بدخولها سجدا مستغفرين، فخالفوا القول والفعل. ومن اعتداء من اعتدى منهم في السبت، فعاقبهم الله تلك العقوبة الشنيعة. وبأخذ الميثاق الغليظ عليهم، فنبذوه وراء ظهورهم، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال محمد بن كعب القرظي، والسدي، وقتادة: سأل اليهود رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابا من السماء. كما نزلت التوراة على موسى مكتوبة. قال ابن جريج: سألوه أن ينزل عليهم صحفا من الله مكتوبة إلى فلان وفلان وفلان، بتصديقه فيما جاءهم به. وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك، كما هو مذكور في سورة "سبحان": {وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا} [الإسراء: 90، 93] الآيات. ولهذا قال تعالى: {فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم} أي: بطغيانهم وبغيهم، وعتوهم وعنادهم. وهذا مفسر في سورة "البقرة" حيث يقول تعالى: {وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون. ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون} [البقرة: 55، 56] . وقوله تعالى: {ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات} أي: من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى، عليه السلام، في بلاد مصر وما كان من إهلاك عدو الله فرعون (1) وجميع جنوده في اليم، فما جاوزوه إلا يسيرا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى (2) {اجعل لنا إلها كما لهم آلهة [قال إنكم قوم تجهلون. إن هؤلاء متبر ما هم فيه وباطل ما كانوا يعملون] (3) } [الأعراف: 138، 139] . ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة (4) في سورة "الأعراف"، وفي سورة "طه" بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله، عز وجل، ثم لما رجع وكان ما كان، جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه: أن يقتل من لم يعبد العجل منهم من عبده، فجعل يقتل بعضهم بعضا ثم أحياهم الله، عز وجل، فقال الله عز وجل (5) {فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا} ثم قال تعالى: {ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم} وذلك حين امتنعوا من الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاءهم به موسى، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
موسى فيها {بميثاقهم} [النساء: 154] يعني: بما أعطوا الله الميثاق والعهد: لنعملن بما في التوراة {وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا} [النساء: 154] يعني: باب حطة، حين أمروا أن يدخلوا منه سجودا، فدخلوا يزحفون على أستاههم. {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} [النساء: 154] يعني بقوله: {لا تعدوا في السبت} [النساء: 154] لا تتجاوزوا في يوم السبت ما أبيح لكم إلى ما لم يبح لكم. كما: حدثنا بشر بن معاذ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا} [النساء: 154] قال: «كنا نحدث أنه باب من أبواب بيت المقدس» {وقلنا لهم لا تعدوا في السبت} [النساء: 154] أمر القوم أن لا يأكلوا الحيتان يوم السبت ولا يعرضوا لها، وأحل لهم ما وراء ذلك. واختلفت القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة قراء أمصار الإسلام: {لا تعدوا في السبت} [النساء: 154] بتخفيف العين؛ من قول القائل: عدوت في الأمر: إذا تجاوزت الحق فيه، أعدو عدوا وعدوانا وعداء.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٧/٦٤٤) ↗التحرير والتنوير
وقرأ الجمهور: نؤتيهم- بنون العظمة. وقرأه حفص عن عاصم- بياء الغائب- والضمير عائد إلى اسم الجلالة في قوله: والذين آمنوا بالله ورسله. [153، 154] يسئلك أهل الكتاب أن تنزل عليهم كتابا من السماء فقد سألوا موسى أكبر من ذلك فقالوا أرنا الله جهرة فأخذتهم الصاعقة بظلمهم ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك وآتينا موسى سلطانا مبينا (153) ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم وقلنا لهم ادخلوا الباب سجدا وقلنا لهم لا تعدوا في السبت وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (154) لما ذكر معاذير أهل الكتابين في إنكارهم رسالة محمد صلى الله عليه وسلم أعقبها بذكر شيء من اقتراحهم مجيء المعجزات على وفق مطالبهم. والجملة استئناف ابتدائي. ومجيء المضارع هنا: إما لقصد استحضار حالتهم العجيبة في هذا السؤال حتى كأن السامع يراهم كقوله: ويصنع الفلك [هود: 38] ، وقوله: بل عجبت ويسخرون [الصافات: 12] ، وقوله: الله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا [فاطر: 9] . وإما للدلالة على تكرار السؤال وتجدده المرة بعد الأخرى بأن يكونوا ألحوا في هذا السؤال لقصد الإعنات، كقول طريف بن تميم العنبري: بعثوا إلي عريفهم يتوسم أي يكرر التوسم. والمقصود على كلا الاحتمالين التعجيب من هذا السؤال، ولذلك قال بعده: فقد سألوا موسى. والسائلون هم اليهود، سألوا معجزة مثل معجزة موسى بأن ينزل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٦/١٣) ↗