سورة الزمر · الآية ٦٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ قل } يا أيها الرسول لهؤلاء الجاهلين، الذين دعوك إلى عبادة غير الله: { أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون } أي: هذا الأمر صدر من جهلكم، وإلا فلو كان لكم علم بأن الله تعالى الكامل من جميع الوجوه، مسدي جميع النعم، هو المستحق للعبادة، دون من كان ناقصا من كل وجه، لا ينفع ولا يضر، لم تأمروني بذلك. وذلك لأن الشرك بالله محبط للأعمال، مفسد للأحوال، ولهذا قال: { ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك } من جميع الأنبياء { لئن أشركت ليحبطن عملك } هذا مفرد مضاف، يعم كل عمل، ففي نبوة جميع الأنبياء، أن الشرك محبط لجميع الأعمال، كما قال تعالى في سورة الأنعام - لما عدد كثيرا من أنبيائه ورسله قال عنهم: ذلك هدى الله يهدي به من يشآء من عباده ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون [الأنعام: 88]. { ولتكونن من الخاسرين } دينك وآخرتك، فبالشرك تحبط الأعمال، ويستحق العقاب والنكال. ثم قال: { بل الله فاعبد } لما أخبر أن الجاهلين يأمرونه بالشرك، وأخبر عن شناعته، أمره بالإخلاص فقال: { بل الله فاعبد } أي: أخلص له العبادة وحده لا شريك له، { وكن من الشاكرين } لله على توفيق الله تعالى، فكما أنه تعالى يشكر على النعم الدنيوية، كصحة الجسم وعافيته، وحصول الرزق وغير ذلك، كذلك يشكر ويثنى عليه بالنعم الدينية، كالتوفيق للإخلاص، والتقوى، بل نعم الدين، هي النعم على الحقيقة، وفي تدبر أنها من الله تعالى والشكر لله عليها، سلامة من آفة العجب التي تعرض لكثير من العاملين، بسبب جهلهم، وإلا، فلو عرف العبد حقيقة الحال، لم يعجب بنعمة تستحق عليه زيادة الشكر.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الزمر ٦٤–٦٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الأجر كمن قرأ القرآن والتوراة والإنجيل والزبور. وله مع هذا يا عثمان من الأجر كمن حج وتقبلت حجته، واعتمر فتقبلت عمرته، فإن مات من يومه طبع بطابع الشهداء". ورواه أبو يعلى الموصلي من حديث يحيى بن حماد، به مثله (5) . وهو غريب، وفيه نكارة شديدة، والله أعلم. وقوله: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} ذكروا في سبب نزولها ما رواه ابن أبي حاتم وغيره، عن ابن عباس [رضي الله عنهما أنه قال] (6) : إن المشركين بجهلهم دعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى عبادة آلهتهم، ويعبدوا معه إلهه، فنزلت: {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين} وهذه كقوله: {ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون} [الأنعام:88] . وقوله: {بل الله فاعبد وكن من الشاكرين} أي: أخلص العبادة لله وحده، لا شريك له، أنت
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/١١٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{تأمروني} [الزمر: 64] أن {أعبد} [الأنعام: 56] ولا تصلح العبادة لشيء سواه واختلف أهل العربية في العامل، في قوله {أفغير} [آل عمران: 83] النصب، فقال بعض نحويي البصرة: قل أفغير الله تأمروني، يقول: أفغير الله أعبد تأمروني، كأنه أراد الإلغاء، والله أعلم، كما تقول: ذهب فلأن يدري، جعله على معنى فما يدري وقال بعض نحويي الكوفة: غير منتصبة بأعبد، وأن تحذف وتدخل، لأنها علم للاستقبال، كما تقول: أريد أن أضرب، وأريد أضرب، وعسى أن أضرب، وعسى أضرب، فكانت في طلبها الاستقبال، كقولك: زيدا سوف أضرب، فلذلك حذفت وعمل ما بعدها فيما قبلها، ولا حاجة بنا إلى اللغو
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٢٤٣) ↗التحرير والتنوير
بخزعبلاتهم وإطماعهم إياه أن يعبدوا الله إن هو شاركهم في عبادة أصنامهم يحسبون الدين مساومة ومغابنة وتطفيفا. [65- 66] ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك ولتكونن من الخاسرين (65) بل الله فاعبد وكن من الشاكرين (66) تأييد لأمره بأن يقول للمشركين تلك المقالة مقالة إنكار أن يطمعوا منه في عبادة الله، بأنه قول استحقوا أن يرموا بغلظته لأنهم جاهلون بالأدلة وجاهلون بنفس الرسول وزكائها. وأعقب بأنهم جاهلون بأن التوحيد هو سنة الأنبياء وأنهم لا يتطرق الإشراك حوالي قلوبهم، فالمقصود الأهم من هذا الخبر التعريض بالمشركين إذ حاولوا النبيء صلى الله عليه وسلم على الاعتراف بإلهية أصنامهم. والواو عاطفة على جملة قل [الزمر: 64] . وتأكيد الخبر بلام القسم وبحرف (قد) تأكيد لما فيه من التعريض للمشركين. والوحي: الإعلام من الله بواسطة الملك. والذين من قبله هم الأنبياء والمرسلون. فالمراد القبلية في صفة النبوءة ف الذين من قبلك مراد به الأنبياء. وجملة لئن أشركت ليحبطن عملك مبينة لمعنى أوحي كقوله تعالى: فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد [طه: 120] . والتاء في أشركت تاء الخطاب لكل من أوحي إليه بمضمون هذه الجملة من الأنبياء فتكون الجملة بيانا لما أوحي إليه وإلى الذين من قبله. ويجوز أن يكون الخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم فتكون الجملة بيانا لجملة أوحي إليك، ويكون وإلى الذين من قبلك اعتراضا لأن البيان تابع للمبين عمومه ونحوه. وأيا ما كان فالمقصود بالخطاب تعريض بقوم الذي أوحي إليه لأن فرض إشراك النبيء صلى الله عليه وسلم غير متوقع.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٥٨) ↗