سورة الزمر · الآية ٦٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن عظمته وكماله، الموجب لخسران من كفر به فقال: { الله خالق كل شيء } هذه العبارة وما أشبهها، مما هو كثير في القرآن، تدل على أن جميع الأشياء - غير الله - مخلوقة، ففيها رد على كل من قال بقدم بعض المخلوقات، كالفلاسفة القائلين بقدم الأرض والسماوات، وكالقائلين بقدم الأرواح، ونحو ذلك من أقوال أهل الباطل، المتضمنة تعطيل الخالق عن خلقه. وليس كلام الله من الأشياء المخلوقة، لأن الكلام صفة المتكلم، والله تعالى بأسمائه وصفاته أول ليس قبله شيء، فأخذ أهل الاعتزال من هذه الآية ونحوها أنه مخلوق، من أعظم الجهل، فإنه تعالى لم يزل بأسمائه وصفاته، ولم يحدث له صفة من صفاته، ولم يكن معطلا عنها بوقت من الأوقات، والشاهد من هذا، أن الله تعالى أخبر عن نفسه الكريمة أنه خالق لجميع العالم العلوي والسفلي، وأنه على كل شيء وكيل، والوكالة التامة لا بد فيها من علم الوكيل بما كان وكيلا عليه، وإحاطته بتفاصيله، ومن قدرة تامة على ما هو وكيل عليه، ليتمكن من التصرف فيه، ومن حفظ لما هو وكيل عليه، ومن حكمة، ومعرفة بوجوه التصرفات، ليصرفها ويدبرها على ما هو الأليق، فلا تتم الوكالة إلا بذلك كله، فما نقص من ذلك فهو نقص فيها. ومن المعلوم المتقرر، أن الله تعالى منزه عن كل نقص في صفة من صفاته، فإخباره بأنه على كل شيء وكيل، يدل على إحاطة علمه بجميع الأشياء، وكمال قدرته على تدبيرها، وكمال تدبيره، وكمال حكمته التي يضع بها الأشياء مواضعها. { له مقاليد السموت والأرض } أي: مفاتيحها، علما وتدبيرا، ف ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم [فاطر: 2]. فلما بين من عظمته ما يقتضي أن تمتلئ القلوب له إجلالا وإكراما، ذكر حال من عكس القضية فلم يقدره حق قدره، فقال: { والذين كفروا بآيات الله } الدالة على الحق اليقين والصراط المستقيم، { أولئك هم الخاسرون } خسروا ما به تصلح القلوب من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
المصدر قد يجمع باعتبار تعدد الصادر منه، أو باعتبار تعدد أنواعه، وكذلك تعدد أمكنة الفوز بتعدد الطوائف، وعلى هذا فإضافة المفازة إلى ضمير الذين اتقوا لتعريفها بهم، أي المفازة التي علمتم أنها لهم وهي الجنة، وقد علم ذلك من آيات وأخبار منها قوله تعالى: إن للمتقين مفازا حدائق وأعنابا وكواعب أترابا [النبأ: 31، 33] . وجملة لا يمسهم السوء ولا هم يحزنون مبينة لجملة وينجي الله الذين اتقوا بمفازتهم لأن نفي مس السوء هو إنجاؤهم ونفي الحزن عنهم نفي لأثر المس السوء. وجيء في جانب نفي السوء بالجملة الفعلية لأن ذلك لنفي حالة أهل النار عنهم، وأهل النار في مس من السوء متجدد. وجيء في نفي الحزن عنهم بالجملة الاسمية لأن أهل النار أيضا في حزن وغم ثابت لازم لهم. ومن لطيف التعبير هذا التفنن، فإن شأن الأسواء الجسدية تجدد آلامها وشأن الأكدار القلبية دوام الإحساس بها. [62- 63] الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل (62) له مقاليد السماوات والأرض والذين كفروا بآيات الله أولئك هم الخاسرون (63) هذا استئناف ابتدائي تمهيد لقوله: قل أفغير الله تأمروني أعبد [الزمر: 64] في ذكر تمسك الرسول صلى الله عليه وسلم والرسل من قبله بالتوحيد ونبذ الشرك والبراءة منه والتصلب في مقاومته والتصميم على قطع دابره، وجعلت الجمل الثلاث من قوله: الله خالق كل شيء إلى قوله: السماوات والأرض مقدمات تؤيد ما يجيء بعدها من قوله: قل أفغير الله تأمروني أعبد [الزمر: 64] . وقد اشتمل هذا الاستئناف ومعطوفاته على ثلاث جمل وجملة رابعة:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٥٣) ↗