سورة الزمر · الآية ٤٧
﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۚ وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى أنه الحاكم بين عباده، وذكر مقالة المشركين وشناعتها، كأن النفوس تشوقت إلى ما يفعل الله بهم يوم القيامة، فأخبر أن لهم { سوء العذاب } أي: أشده وأفظعه، كما قالوا أشد الكفر وأشنعه، وأنهم على - الفرض والتقدير - لو كان لهم ما في الأرض جميعا، من ذهبها وفضتها ولؤلؤها وحيواناتها وأشجارها وزروعها وجميع أوانيها وأثاثها ومثله معه، ثم بذلوه يوم القيامة ليفتدوا به من العذاب وينجوا منه، ما قبل منهم، ولا أغنى عنهم من عذاب الله شيئا، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم [الشعراء: 88-89]. { وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون } أي: يظنون من السخط العظيم، والمقت الكبير، وقد كانوا يحكمون لأنفسهم بغير ذلك. { وبدا لهم سيئات ما كسبوا } أي: الأمور التي تسوؤهم، بسبب صنيعهم وكسبهم. { وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } من الوعيد والعذاب الذي نزل بهم، وما حل عليهم العقاب.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الزمر ٤٧–٤٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى بعد ما ذكر عن المشركين ما ذكر من المذمة، لهم في حبهم الشرك، ونفرتهم عن التوحيد {قل اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة} أي: ادع أنت الله وحده لا شريك له، الذي خلق السموات والأرض وفطرها، أي: جعلها على غير مثال سبق، {عالم الغيب والشهادة} أي: السر والعلانية، {أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون} أي: في دنياهم (1) ، ستفصل بينهم يوم معادهم ونشورهم، وقيامهم من قبورهم. وقال (2) مسلم في صحيحه: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا عمر بن يونس، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا يحيى بن أبي كثير، حدثني أبو سلمة (3) بن عبد الرحمن قال: سألت عائشة [رضي الله عنها] (4) بأي شيء كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح صلاته إذا قام من الليل؟ قالت: كان إذا قام من الليل افتتح صلاته: "اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم" (5) وقال (6) الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، وأخبرنا سهيل بن أبي صالح وعبد الله بن عثمان بن خثيم، عن عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عبد الله بن مسعود (7) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من قال: اللهم فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، إني أعهد إليك في هذه الدنيا (8) أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدا عبدك ورسولك، فإنك إن تكلني إلى نفسي تقربني من الشر وتباعدني من الخير، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدا توفينيه يوم القيامة، إنك لا تخلف الميعاد، إلا قال الله، عز وجل، لملائكته يوم القيامة: إن عبدي قد عهد إلي عهدا فأوفوه إياه، فيدخله الله الجنة". قال سهيل: فأخبرت القاسم بن عبد الرحمن أن عونا أخبر بكذا وكذا؟ فقال: ما في أهلنا جارية إلا وهي تقول هذا في خدرها. انفرد به …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الدنيا من أموالها وزينتها {ومثله معه} [المائدة: 36] مضاعفا، فقبل ذلك منهم عوضا من أنفسهم، لفدوا بذلك كله أنفسهم عوضا منها، لينجو من سوء عذاب الله، الذي هو معذبهم به يومئذ {وبدا لهم من الله} [الزمر: 47] يقول: وظهر لهم يومئذ من أمر الله وعذابه، الذي كان أعده لهم، ما لم يكونوا قبل ذلك يحتسبون أنه أعده لهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٢٢٠) ↗التحرير والتنوير
عن شدة شكيمتهم في العناد وعدم الإنصاف والانصياع إلى قواطع الحجج، بحيث إن من يتطلب حاكما فيهم لا يجد حاكما فيهم إلا الله تعالى. وهذا أيضا يؤمىء إلى العذر للرسول صلى الله عليه وسلم في قيامه بأقصى ما كلف به لأن هذا القول إنما يصدر عمن بذل وسعه فيما وجب عليه، فلما لقنه ربه أن يقوله كان ذلك في معنى: أنك أبلغت وأديت الرسالة فلم يبق إلا ما يدخل تحت قدرة الله تعالى التي لا يعجزها الألداء أمثال قومك، وفيه تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وفيه وعيد للمعاندين. والحكم يصدق بحكم الآخرة وهو المحقق الذي لا يخلف، ويشمل حكم الدنيا بنصر المحق على المبطل إذا شاء الله أن يعجل بعض حكمه بأن يعجل لهم العذاب في الدنيا. والإتيان بفعل الكون صلة ل ما الموصولة ليدل على تحقق الاختلاف، وكون خبر (كان) مضارعا تعريض بأنه اختلاف متجدد إذ لا طماعية في ارعواء المشركين عن باطلهم. وتقديم فيه على يختلفون للرعاية على الفاصلة مع الاهتمام بالأمر المختلف فيه. [47- 48] ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون (47) وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزؤن (48) عطف على جملة قل اللهم فاطر السماوات والأرض [الزمر: 46] إلخ لأنها تشير إلى أن الحق في جانب النبيء صلى الله عليه وسلم وهو الذي دعا ربه للمحاكمة، وأن الحكم سيكون على المشركين، فأعقب ذلك بتهويل ما سيكون به الحكم بأنه لو وجد المشركون فدية منه بالغة ما بلغت لافتدوا بها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٣٢) ↗