سورة الزمر · الآية ٤٦
﴿قُلِ اللَّهُمَّ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِي مَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى حالة المشركين، وما الذي اقتضاه شركهم أنهم { وإذا ذكر الله } توحيدا له، وأمر بإخلاص الدين له، وترك ما يعبد من دونه، أنهم يشمئزون وينفرون، ويكرهون ذلك أشد الكراهة. { وإذا ذكر الذين من دونه } من الأصنام والأنداد، ودعا الداعي إلى عبادتها ومدحها، { إذا هم يستبشرون } بذلك، فرحا بذكر معبوداتهم، ولكون الشرك موافقا لأهوائهم، وهذه الحال أشر الحالات وأشنعها، ولكن موعدهم يوم الجزاء. فهناك يؤخذ الحق منهم، وينظر: هل تنفعهم آلهتهم التي كانوا يدعون من دون الله شيئا؟ ولهذا قال { قل اللهم فاطر السموت والأرض } أي: خالقهما ومدبرهما. { عالم الغيب } الذي غاب عن أبصارنا وعلمنا، { والشهادة } الذي نشاهده. { أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون } وإن من أعظم الاختلاف اختلاف الموحدين المخلصين القائلين: إن ما هم عليه هو الحق، وإن لهم الحسنى في الآخرة دون غيرهم، والمشركين الذين اتخذوا من دونك الأنداد والأوثان، وسووا فيك من لا يسوى شيئا، وتنقصوك غاية التنقص، واستبشروا عند ذكر آلهتهم، واشمئزوا عند ذكرك، وزعموا مع هذا أنهم على الحق وغيرهم على الباطل، وأن لهم الحسنى. قال تعالى: إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شيء شهيد [الحج: 17]. وقد أخبرنا بالفصل بينهم بعدها بقوله: هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم * يصهر به ما في بطونهم والجلود * ولهم مقامع من حديد إلى أن قال: إن الله يدخل الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار يحلون فيها من أساور من ذهب ولؤلؤا ولباسهم فيها حرير [الحج: 19-32]. وقال تعالى: الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون [الأنعام: 82] إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار [المائدة: 72] ففي هذه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
التلبية: لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك، فذلك ذكر لا مناسبة له بالمقام. وذكر جمع من المفسرين لقوله: إذا ذكر الذين من دونه أنه إشارة إلى ما يروى من قصة الغرانيق، ونسب تفسير ذلك بذلك إلى مجاهد، وهو بعيد عن سياق الآية. ومن البناء على الأخبار الموضوعة فلله در من أعرضوا عن ذكر ذلك. والاشمئزاز: شدة الكراهية والنفور، أي كرهت ذلك قلوبهم ومداركهم. والاستبشار: شدة الفرح حتى يظهر أثر ذلك على بشرة الوجه، وتقدم في قوله: وجاء أهل المدينة يستبشرون في سورة الحجر [67] . ومقابلة الاشمئزاز بالاستبشار مطابقة كاملة لأن الاشمئزاز غاية الكراهية والاستبشار غاية الفرح. والتعبير عن المشركين ب الذين لا يؤمنون بالآخرة لأنهم عرفوا بهذه الصلة بين الناس مع قصد إعادة تذكيرهم بوقوع القيامة. وإذا الأولى وإذا الثانية ظرفان مضمنان معنى الشرط كما هو الغالب. وإذا الثالثة للمفاجأة للدلالة على أنهم يعاجلهم الاستبشار حينئذ من فرط حبهم آلهتهم. ولذلك جيء بالمضارع في يستبشرون دون أن يقال: مستبشرون، لإفادة تجدد استبشارهم. [46] قل اللهم فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك في ما كانوا فيه يختلفون (46) لما كان أكثر ما تقدم من السورة مشعرا بالاختلاف بين المشركين والمؤمنين، وبأن المشركين مصممون على باطلهم على ما غمرهم من حجج الحق دون إغناء الآيات والتدبر عنهم أمر الرسول صلى الله عليه وسلم عقب ذلك بأن يقول هذا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٤/٣٠) ↗