البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الزمر · الآية ١٨

﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما ذكر حال المجرمين ذكر حال المنيبين وثوابهم، فقال: { والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها } والمراد بالطاغوت في هذا الموضع، عبادة غير الله، فاجتنبوها في عبادتها. وهذا من أحسن الاحتراز من الحكيم العليم، لأن المدح إنما يتناول المجتنب لها في عبادتها. { وأنابوا إلى الله } بعبادته وإخلاص الدين له، فانصرفت دواعيهم من عبادة الأصنام إلى عبادة الملك العلام، ومن الشرك والمعاصي إلى التوحيد والطاعات، { لهم البشرى } التي لا يقادر قدرها، ولا يعلم وصفها، إلا من أكرمهم بها، وهذا شامل للبشرى في الحياة الدنيا بالثناء الحسن، والرؤيا الصالحة، والعناية الربانية من الله، التي يرون في خلالها، أنه مريد لإكرامهم في الدنيا والآخرة، ولهم البشرى في الآخرة عند الموت، وفي القبر، وفي القيامة، وخاتمة البشرى ما يبشرهم به الرب الكريم، من دوام رضوانه وبره وإحسانه، وحلول أمانه في الجنة. ولما أخبر أن لهم البشرى، أمره الله ببشارتهم، وذكر الوصف الذي استحقوا به البشارة فقال: { فبشر عباد * الذين يستمعون القول } وهذا جنس يشمل كل قول، فهم يستمعون جنس القول ليميزوا بين ما ينبغي إيثاره مما ينبغي اجتنابه، فلهذا من حزمهم وعقلهم أنهم يتبعون أحسنه، وأحسنه على الإطلاق كلام الله وكلام رسوله، كما قال في هذه السورة: الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها الآية [الزمر: 23]. وفي هذه الآية نكتة، وهي: أنه لما أخبر عن هؤلاء الممدوحين أنهم يستمعون القول فيتبعون أحسنه، كأنه قيل: هل من طريق إلى معرفة أحسنه حتى نتصف بصفات أولي الألباب، وحتى نعرف أن من أثره علمنا أنه من أولي الألباب؟ قيل: نعم، أحسنه ما نص الله عليه الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها الآية [الزمر: 23] { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله } لأحسن الأخلاق والأعمال { وأولئك هم أولوا الألباب } أي: العقول الزاكية. ومن لبهم وحزمهم، أنهم عرفوا الحسن من غيره، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى: قل يا محمد وأنت رسول الله: {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} ، وهو يوم القيامة. وهذا شرط، ومعناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى، {قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه} وهذا أيضا تهديد وتبر (1) منهم، {قل إن الخاسرين} أي: إنما الخاسرون كل الخسران (2) {الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} أي: تفارقوا فلا التقاء لهم أبدا، سواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور، {ذلك هو الخسران المبين} أي: هذا هو الخسار البين الظاهر الواضح. ثم وصف حالهم في النار فقال: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} كما قال: {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين} [الأعراف:41] ، وقال: {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون} [العنكبوت:55] . وقوله: {ذلك يخوف الله به عباده} أي: إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده، لينزجروا عن المحارم والمآثم. وقوله: {يا عباد فاتقون} أي: اخشوا بأسي وسطوتي، وعذابي ونقمتي. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر، وسلمان الفارسي. والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم، ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن. فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثم قال: {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} أي: يفهمونه ويعملون بما فيه، كقوله تعالى لموسى حين آتاه التوراة: {فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} [الأعراف:145] . {أولئك الذين هداهم الله} أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة (3) ، أي: ذوو العقول الصحيحة، والفطر المستقيمة.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٩٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الألباب} يقول تعالى ذكره لهؤلاء الخاسرين يوم القيامة في جهنم: {من فوقهم ظلل من النار} [الزمر: 16] وذلك كهيئة الظلل المبنية من النار {ومن تحتهم ظلل} [الزمر: 16] يقول: ومن تحتهم من النار ما يعلوهم، حتى يصير ما يعلوهم منها من تحتهم ظللا، وذلك نظير قوله جل ثناؤه لهم: {من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} [الأعراف: 41] يغشاهم مما تحتهم فيها من المهاد

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٨٢) ↗

التحرير والتنوير

والتخويف: مصدر خوفه، إذا جعله خائفا إذا أراه ووصف له شيئا يثير في نفسه الخوف، وهو الشعور بما يؤلم النفس بواسطة إحدى الحواس الخمس. والعباد المضاف إلى ضمير الجلالة في الموضعين هنا يعم كل عبد من الناس من مؤمن وكافر إذ الجميع يخافون العذاب على العصيان، والعذاب متفاوت وأقصاه الخلود لأهل الشرك، وليس العباد هنا مرادا به أهل القرب لأنه لا يناسب مقام التخويف ولأن قرينة قوله: عباده تدل على أن المنادين جميع العباد، ففرق بينه وبين نحو يا عباد لا خوف عليكم اليوم [الزخرف: 68] . يا عباد فاتقون تفريع وتعقيب لجملة ذلك يخوف الله به عباده لأن التخويف مؤذن بأن العذاب أعد لأهل العصيان فناسب أن يعقب بأمر الناس بالتقوى للتفادي من العذاب. وقدم النداء على التفريع مع أن مقتضى الظاهر تأخيره عنه كقوله تعالى: واتقون يا أولي الألباب في سورة البقرة [197] لأن المقام هنا مقام تحذير وترهيب، فهو جدير باسترعاء ألباب المخاطبين إلى ما سيرد من بعد من التفريع على التخويف بخلاف آية البقرة فإنها في سياق الترغيب في إكمال أعمال الحج والتزود للآخرة فلذلك جاء الأمر بالتقوى فيها معطوفا بالواو. وحذفت ياء المتكلم من قوله: يا عباد على أحد وجوه خمسة في المنادى المضاف إلى ياء المتكلم. [17- 18] والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله لهم البشرى فبشر عباد (17) الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الألباب (18) لما انتهى تهديد المشركين وموعظة الخلائق أجمعين ثني عنان الخطاب إلى جانب المؤمنين فيما يختص بهم من البشارة مقابلة لنذارة المشركين.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٣٦٣) ↗