سورة الزمر · الآية ١٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي { قل } يا أيها الرسول للناس: { إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } في قوله في أول السورة: فاعبد الله مخلصا له الدين [الزمر: 2]. { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } لأني الداعي الهادي للخلق إلى ربهم، فيقتضي أني أول من ائتمر بما آمر به، وأول من أسلم، وهذا الأمر لا بد من إيقاعه من محمد صلى الله عليه وسلم، وممن زعم أنه من أتباعه، فلا بد من الإسلام في الأعمال الظاهرة، والإخلاص لله في الأعمال الظاهرة والباطنة. { قل إني أخاف إن عصيت ربي } في ما أمرني به من الإخلاص والإسلام. { عذاب يوم عظيم } يخلد فيه من أشرك، ويعاقب فيه من عصى. { قل الله أعبد مخلصا له ديني * فاعبدوا ما شئتم من دونه } كما قال تعالى: قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ولي دين [الكافرون: 1-6]. { قل إن الخاسرين } حقيقة هم { الذين خسروا أنفسهم } حيث حرموها الثواب، واستحقت بسببهم وخيم العقاب { وأهليهم يوم القيامة } أي فرق بينهم وبينهم، واشتد عليهم الحزن، وعظم الخسران. { ألا ذلك هو الخسران المبين } الذي ليس مثله خسران، وهو خسران مستمر، لا ربح بعده، بل ولا سلامة. ثم ذكر شدة ما يحصل لهم من الشقاء فقال: { لهم من فوقهم ظلل من النار } أي: قطع عذاب كالسحاب العظيم { ومن تحتهم ظلل }. { ذلك } الوصف الذي وصفنا به عذاب أهل النار، سوط يسوق الله به عباده إلى رحمته، { يخوف الله به عباده يعباد فاتقون } أي جعل ما أعده لأهل الشقاء من العذاب داع يدعو عباده إلى التقوى، وزاجر عما يوجب العذاب فسبحان من رحم عباده في كل شيء، وسهل لهم الطرق الموصلة إليه، وحثهم على سلوكها، ورغبهم بكل مرغب تشتاق له النفوس وتطمئن له القلوب، وحذرهم من العمل لغيره غاية التحذير، وذكر لهم الأسباب الزاجرة عن تركه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الزمر ١١–١٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: قل يا محمد وأنت رسول الله: {إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم} ، وهو يوم القيامة. وهذا شرط، ومعناه التعريض بغيره بطريق الأولى والأحرى، {قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه} وهذا أيضا تهديد وتبر (1) منهم، {قل إن الخاسرين} أي: إنما الخاسرون كل الخسران (2) {الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة} أي: تفارقوا فلا التقاء لهم أبدا، سواء ذهب أهلوهم إلى الجنة وقد ذهبوا هم إلى النار، أو أن الجميع أسكنوا النار، ولكن لا اجتماع لهم ولا سرور، {ذلك هو الخسران المبين} أي: هذا هو الخسار البين الظاهر الواضح. ثم وصف حالهم في النار فقال: {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} كما قال: {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش وكذلك نجزي الظالمين} [الأعراف:41] ، وقال: {يوم يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون} [العنكبوت:55] . وقوله: {ذلك يخوف الله به عباده} أي: إنما يقص خبر هذا الكائن لا محالة ليخوف به عباده، لينزجروا عن المحارم والمآثم. وقوله: {يا عباد فاتقون} أي: اخشوا بأسي وسطوتي، وعذابي ونقمتي. قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه: {والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها} نزلت في زيد بن عمرو بن نفيل، وأبي ذر، وسلمان الفارسي. والصحيح أنها شاملة لهم ولغيرهم، ممن اجتنب عبادة الأوثان، وأناب إلى عبادة الرحمن. فهؤلاء هم الذين لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة. ثم قال: {فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه} أي: يفهمونه ويعملون بما فيه، كقوله تعالى لموسى حين آتاه التوراة: {فخذها بقوة وأمر قومك يأخذوا بأحسنها} [الأعراف:145] . {أولئك الذين هداهم الله} أي: المتصفون بهذه الصفة هم الذين هداهم الله في الدنيا والآخرة (3) ، أي: ذوو العقول الصحيحة، والفطر المستقيمة.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٩٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/١٨٠) ↗التحرير والتنوير
اللذين وجه الخطاب السابق إليهما، وتعيين كل لما وجه إليه منطو بقرينة السياق وقرينة ما بعده من قوله: فاعبدوا ما شئتم من دونه [الزمر: 15] . وإعادة الأمر بالقول على هذا للتأكيد اهتماما بهذا المقول، وأما على الوجه الثاني من الوجهين المتقدمين في المراد من توجيه المطلب في قوله: إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين [الزمر: 11] الآية فتكون إعادة فعل قل لأجل اختلاف المقصودين بتوجيه القول إليهم، وقد تقدم قول مقاتل: قال كفار قريش للنبيء: ما يحملك على هذا الدين الذي أتيتنا به ألا تنظر إلى ملة أبيك وجدك وسادات قومك يعبدون اللات والعزى. [14- 15] قل الله أعبد مخلصا له ديني (14) فاعبدوا ما شئتم من دونه قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (15) قل الله أعبد مخلصا له ديني فاعبدوا ما شئتم من دونه (14) . أمر بأن يعيد التصريح بأنه يعبد الله وحده تأكيدا لقوله: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين [الزمر: 11] ، لأهميته، وإن كان مفاد الجملتين واحدا لأنهما معا تفيدان أنه لا يعبد إلا الله تعالى باعتبار تقييد أعبد الله الأول بقيد مخلصا له الدين وباعتبار تقديم المفعول على أعبد الثاني فتأكد معنى التوحيد مرتين ليتقرر ثلاث مرات، وتمهيدا لقوله: فاعبدوا ما شئتم من دونه وهو المقصود. والفاء في قوله: فاعبدوا إلخ لتفريع الكلام الذي بعدها على الكلام قبلها فهو تفريع ذكري. والأمر في قوله: فاعبدوا ما شئتم من دونه مستعمل في معنى التخلية، ويعبر عنه بالتسوية. والمقصود التسوية في ذلك عند المتكلم فتكون التسوية كناية عن قلة الاكتراث بفعل المخاطب، أي أن ذلك لا يضرني كقوله في سورة الكهف [29] : فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، أي اعبدوا أي شيء شئتم عبادته من دون الله. وجعلت الصلة هنا فعل المشيئة إيماء إلى أن رائدهم في تعيين معبوداتهم هو مجرد المشيئة والهوى بلا دليل.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٣٥٩) ↗