سورة الزمر · الآية ١٣
﴿قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي { قل } يا أيها الرسول للناس: { إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين } في قوله في أول السورة: فاعبد الله مخلصا له الدين [الزمر: 2]. { وأمرت لأن أكون أول المسلمين } لأني الداعي الهادي للخلق إلى ربهم، فيقتضي أني أول من ائتمر بما آمر به، وأول من أسلم، وهذا الأمر لا بد من إيقاعه من محمد صلى الله عليه وسلم، وممن زعم أنه من أتباعه، فلا بد من الإسلام في الأعمال الظاهرة، والإخلاص لله في الأعمال الظاهرة والباطنة. { قل إني أخاف إن عصيت ربي } في ما أمرني به من الإخلاص والإسلام. { عذاب يوم عظيم } يخلد فيه من أشرك، ويعاقب فيه من عصى. { قل الله أعبد مخلصا له ديني * فاعبدوا ما شئتم من دونه } كما قال تعالى: قل يأيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * ولا أنآ عابد ما عبدتم * ولا أنتم عابدون مآ أعبد * لكم دينكم ولي دين [الكافرون: 1-6]. { قل إن الخاسرين } حقيقة هم { الذين خسروا أنفسهم } حيث حرموها الثواب، واستحقت بسببهم وخيم العقاب { وأهليهم يوم القيامة } أي فرق بينهم وبينهم، واشتد عليهم الحزن، وعظم الخسران. { ألا ذلك هو الخسران المبين } الذي ليس مثله خسران، وهو خسران مستمر، لا ربح بعده، بل ولا سلامة. ثم ذكر شدة ما يحصل لهم من الشقاء فقال: { لهم من فوقهم ظلل من النار } أي: قطع عذاب كالسحاب العظيم { ومن تحتهم ظلل }. { ذلك } الوصف الذي وصفنا به عذاب أهل النار، سوط يسوق الله به عباده إلى رحمته، { يخوف الله به عباده يعباد فاتقون } أي جعل ما أعده لأهل الشقاء من العذاب داع يدعو عباده إلى التقوى، وزاجر عما يوجب العذاب فسبحان من رحم عباده في كل شيء، وسهل لهم الطرق الموصلة إليه، وحثهم على سلوكها، ورغبهم بكل مرغب تشتاق له النفوس وتطمئن له القلوب، وحذرهم من العمل لغيره غاية التحذير، وذكر لهم الأسباب الزاجرة عن تركه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الزمر ١١–١٦) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
المؤمنين، فأما الجاحدون المكذبون فهم (1) في ريبهم (2) يترددون. وقال ابن مردويه عند تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا عبيد الله بن أحمد بن عقبة، حدثنا عباس بن محمد، حدثنا حسين بن محمد، حدثنا محصن بن عقبة اليماني، عن الزبير بن شبيب، عن عثمان بن حاضر، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوقوف بين يدي رب العالمين، هل فيه ماء؟ قال: "والذي نفسي بيده، إن فيه لماء، إن أولياء الله ليردون حياض الأنبياء، ويبعث الله تعالى سبعين ألف ملك في أيديهم عصي من نار، يذودون الكفار عن حياض الأنبياء". هذا حديث غريب (3) وفي الترمذي: "إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وأرجو أن أكون أكثرهم واردة (4) (5) ولهذا قال: {الذين خسروا أنفسهم} [أي يوم القيامة] (6) {فهم لا يؤمنون} أي: لا يصدقون بالمعاد، ولا يخافون شر ذلك اليوم. ثم قال تعالى {وله ما سكن في الليل والنهار} أي: كل دابة في السموات والأرض، الجميع عباده وخلقه، وتحت قهره وتصرفه وتدبيره، ولا (7) إله إلا هو، {وهو السميع العليم} أي: السميع لأقوال عباده، العليم بحركاتهم وضمائرهم وسرائرهم. ثم قال لعبده ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم، الذي بعثه بالتوحيد العظيم والشرع القويم، وأمره أن يدعو الناس إلى صراطه (8) المستقيم: {قل أغير الله أتخذ وليا فاطر السماوات والأرض} كما قال {قل أفغير الله تأمروني أعبد أيها الجاهلون} [الزمر: 64] ، والمعنى: لا أتخذ وليا إلا الله وحده لا شريك له، فإنه فاطر السموات والأرض، أي: خالقهما ومبدعهما على غير مثال سبق. {وهو يطعم ولا يطعم} أي: وهو الرزاق لخلقه من غير احتياج إليهم، كما قال تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون * [ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون* إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين] (9) } [الذاريات: 56 -58] . وقرأ بعضهم هاهنا: {وهو يطعم ولا يطعم} الآية (10) أي: لا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٩/١٧٧) ↗التحرير والتنوير
فكان قوله: لأن أكون أول المسلمين علة ل أعبد الله مخلصا له الدين، فالتقدير: وأمرت بذلك لأن أكون أول المسلمين، فمتعلق أمرت محذوف لدلالة قوله: أن أعبد الله مخلصا له الدين عليه. ف أول هنا مستعمل في مجازه فقط إذ ليس المقصود من الأولية مجرد السبق في الزمان فإن ذلك حصل فلا جدوى في الإخبار به، وإنما المقصود أنه مأمور بأن يكون أقوى المسلمين إسلاما بحيث أن ما يقوم به الرسول صلى الله عليه وسلم من أمور الإسلام أعظم مما يقوم به كل مسلم كما قال: «إني لأتقاكم لله وأعلمكم به» . وعطف وأمرت الثاني على أمرت الأول للتنويه بهذا الأمر الثاني ولأنه غاير الأمر الأول بضميمة قيد التعليل فصار ذكر الأمر الأول لبيان المأمور، وذكر الأمر الثاني لبيان المأمور لأجله، ليشير إلى أنه أمر بأمرين عظيمين: أحدهما يشاركه فيه غيره وهو أن يعبد الله مخلصا له الدين، والثاني يختص به وهو أن يعبده كذلك ليكون بعبادته أول المسلمين، أي أمره الله بأن يبلغ الغاية القصوى في عبادة الله مخلصا له الدين، فجعل وجوده متمحضا للإخلاص على أي حال كان كما قال في الآية الأخرى: قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين [الأنعام: 162، 163] . واعلم أنه لما كان الإسلام هو دين الأنبياء في خاصتهم كما تقدم عند قوله تعالى فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون في سورة البقرة [132] ونظائرها كثيرة، كانت في هذه الآية دلالة على أن محمدا صلى الله عليه وسلم أفضل الرسل لشمول لفظ المسلمين للرسل السابقين. [13] قل إني أخاف إن عصيت ربي عذاب يوم عظيم (13) هذا القول متعين لأن يكون الرسول صلى الله عليه وسلم مأمورا بأن يواجه به المشركين الذين كانوا يحاولون النبيء صلى الله عليه وسلم أن يترك الدعوة وأن يتابع دينهم. وهما أحد الشقين
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٣٥٨) ↗