سورة ص · الآية ٤٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: { واذكر } في هذا الكتاب ذي الذكر { عبدنآ أيوب } بأحسن الذكر، وأثن عليه بأحسن الثناء، حين أصابه الضر، فصبر على ضره، فلم يشتك لغير ربه، ولا لجأ إلا إليه. ف { نادى ربه } داعيا، وإليه لا إلى غيره شاكيا، فقال: رب { أني مسني الشيطان بنصب وعذاب } أي: بأمر مشق متعب معذب، وكان سلط على جسده فنفخ فيه حتى تقرح، ثم تقيح بعد ذلك واشتد به الأمر، وكذلك هلك أهله وماله. فقيل له: { اركض برجلك } أي: اضرب الأرض بها، لينبع لك منها عين تغتسل منها وتشرب، فيذهب عنك الضر والأذى، ففعل ذلك، فذهب عنه الضر، وشفاه الله تعالى. { ووهبنا له أهله } قيل: إن الله تعالى أحياهم له { ومثلهم معهم } في الدنيا، وأغناه الله، وأعطاه مالا عظيما { رحمة منا } بعبدنا أيوب، حيث صبر فأثبناه من رحمتنا ثوابا عاجلا وآجلا. { وذكرى لأولي الألباب } أي: وليتذكر أولو العقول بحالة أيوب ويعتبروا، فيعلموا أن من صبر على الضر، أن الله تعالى يثيبه ثوابا عاجلا وآجلا، ويستجيب دعاءه إذا دعاه. { وخذ بيدك ضغثا } أي حزمة شماريخ { فاضرب به ولا تحنث }. قال المفسرون: وكان في مرضه وضره قد غضب على زوجته في بعض الأمور، فحلف: لئن شفاه الله ليضربنها مائة جلدة، فلما شفاه الله، وكانت امرأته صالحة محسنة إليه، رحمها الله ورحمه، فأفتاه أن يضربها بضغث فيه مائة شمراخ ضربة واحدة، فيبر في يمينه. { إنا وجدناه } أي: أيوب { صابرا } أي: ابتليناه بالضر العظيم، فصبر لوجه الله تعالى. { نعم العبد } الذي كمل مراتب العبودية، في حال السراء والضراء، والشدة والرخاء. { إنه أواب } أي: كثير الرجوع إلى الله، في مطالبه الدينية والدنيوية، كثير الذكر لربه والدعاء، والمحبة والتأله.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: ص ٤١–٤٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… إخوانه به كانا يغدوان إليه ويروحان فقال أحدهما لصاحبه: تعلم -والله-لقد أذنب أيوب ذنبا ما أذنبه أحد من العالمين. قال له صاحبه: وما ذاك؟ قال: من ثماني عشرة سنة لم يرحمه الله، فيكشف ما به (3) فلما راحا إليه لم يصبر الرجل حتى ذكر ذلك له. فقال أيوب: لا أدري ما تقول غير أن الله يعلم أني كنت أمر على الرجلين يتنازعان فيذكران الله عز وجل، فأرجع إلى بيتي فأكفر عنهما، كراهية أن يذكرا الله إلا في حق. قال: وكان (4) يخرج إلى حاجته فإذا قضاها أمسكت امرأته بيده حتى يبلغ فلما كان ذات يوم أبطأ عليها وأوحى الله تعالى إلى أيوب، عليه السلام، أن {اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب} فاستبطأته فتلقته تنظر فأقبل (5) عليها قد أذهب الله ما به من البلاء وهو على أحسن ما كان. فلما رأته قالت: أي بارك الله فيك هل رأيت نبي الله هذا المبتلى. فوالله على ذلك ما رأيت رجلا أشبه به منك إذ كان صحيحا. قال: فإني (6) أنا هو. قال: وكان له أندران أندر للقمح وأندر للشعير فبعث الله سحابتين فلما كانت إحداهما على أندر القمح أفرغت فيه الذهب حتى فاض وأفرغت الأخرى في أندر الشعير حتى فاض. هذا لفظ ابن جرير رحمه الله (7) وقال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق حدثنا معمر عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا (8) أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "بينما أيوب يغتسل عريانا خر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحثو في ثوبه فناداه ربه (9) يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى؟ قال: بلى يا رب ولكن لا غنى بي عن بركتك". انفرد بإخراجه البخاري من حديث عبد الرزاق به (10) ولهذا قال تعالى: {ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب} قال الحسن وقتادة: أحياهم الله تعالى له بأعيانهم وزادهم مثلهم معهم. وقوله: {رحمة منا} أي: به على صبره وثباته وإنابته وتواضعه واستكانته {وذكرى لأولي الألباب} أي: لذوي العقول ليعلموا أن عاقبة الصبر الفرج …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
… بملء فمي، ثم كان ينبغي للعبد يحاج عن نفسه، لرجوت أن يعافيني عند ذلك مما بي، ولكنه ألقاني، وتعالى عني، فهو يراني ولا أراه، ويسمعني ولا أسمعه , لا نظر إلي فرحمني، ولا دنا مني ولا أدناني فأدلي بعذري، وأتكلم ببراءتي , وأخاصم عن نفسي لما قال ذلك أيوب وأصحابه عنده، أظله غمام حتى ظن أصحابه أنه عذاب، ثم نودي منه، ثم قيل له: يا أيوب، إن الله يقول: ها أنا ذا قد دنوت منك، ولم أزل منك قريبا، فقم فأدل بعذرك الذي زعمت، وتكلم ببراءتك , وخاصم عن نفسك، واشدد إزارك ثم ذكر نحو حديث ابن عسكر، عن إسماعيل، إلى آخره، وزاد فيه: ورحمتي سبقت غضبي، فاركض برجلك، هذا مغتسل بارد، وشراب فيه شفاؤك، وقد وهبت لك أهلك، ومثلهم معهم، ومالك ومثله معه وزعموا: ومثله معه لتكون لمن خلفك آية، ولتكون عبرة لأهل البلاء، وعزاء للصابرين فركض برجله، فانفجرت له عين، فدخل فيها فاغتسل، فأذهب الله عنه كل ما كان به من البلاء. ثم خرج فجلس، وأقبلت امرأته تلتمسه في مضجعه، فلم تجده، فقامت كالوالهة متلددة، ثم قالت: يا عبد الله، هل لك علم بالرجل المبتلى الذي كان ههنا؟ قال: لا، ثم تبسم، فعرفته بمضحكه، فاعتنقته حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن بعض أهل العلم، عن وهب بن منبه، قال: فحدثت عبد الله بن عباس، حديثه، واعتناقها إياه، فقال عبد الله: «فوالذي نفس عبد الله بيده، ما فارقته من عناقه حتى مر بها PageEndV16P359 كل مال لهما وولد» حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق قال: وقد سمعت بعض من يذكر الحديث عنه " أنه دعاها حين سألت عنه، فقال لها: وهل تعرفينه إذا رأيته؟ قالت: نعم، ومالي لا أعرفه؟ فتبسم، ثم قال: ها أنا هو، وقد فرج الله عني ما كنت فيه فعند ذلك اعتنقته قال وهب: فأوحى الله في قسمه ليضربها في الذي كلمته، أن {وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث} [ص: 44] أي قد برت يمينك. يقول الله تعالى: {إنا وجدناه صابرا نعم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
ويجوز أن يكون بغير حساب حالا من ضمير «امنن أو أمسك» . ويكون الحساب بمعنى المحاسبة المكنى بها عن المؤاخذة. والمعنى: امنن أو أمسك لا مؤاخذة عليك فيمن مننت عليه بالإطلاق إن كان مفسدا، ولا فيمن أمسكته في الخدمة إن كان صالحا. [40] 40] وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (40) تقدم نظيره آنفا في قصة داود وبيان نكتة التأكيد بحرف إن. [41- 42] واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (41) اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (42) هذا مثل ثان ذكر به النبيء صلى الله عليه وسلم أسوة به في الصبر على أذى قومه والالتجاء إلى الله في كشف الضر، وهو معطوف على واذكر عبدنا داود ذا الأيد [ص: 17] ولكونه مقصودا بالمثل أعيد معه فعل اذكر كما نبهنا عليه في قوله: واذكر عبدنا داود [ص: 17] ، وقد تقدم الكلام على نظير صدر هذه الآية في سورة الأنبياء. وترجمة أيوب عليه السلام تقدمت في سورة الأنعام. وإذ كانت تعدية فعل اذكر إلى اسم أيوب على تقدير مضاف لأن المقصود تذكر الحالة الخاصة به كان قوله: إذ نادى ربه بدل اشتمال من أيوب لأن زمن ندائه ربه مما تشتمل عليه أحوال أيوب. وخص هذا الحال بالذكر من بين أحواله لأنه مظهر توكله على الله واستجابة الله دعاءه بكشف الضر عنه. والنداء: نداء دعاء لأن الدعاء يفتتح ب: يا رب، ونحوه. وأني مسني الشيطان متعلق ب نادى بحذف الباء المحذوفة مع (أن) ، أي نادى: بأني مسني الشيطان، وهو في الأصل جملة مبينة لجملة نادى ربه ولولا وجود (أن) المفتوحة التي تصير الجملة في موقع المفرد لكانت جملة مبينة لجملة نادى، ولما احتاجت إلى تقدير حرف الجر ليتعدى إليها فعل نادى وخاصة حيث خلت الجملة من حرف نداء. فقولهم: إنها مجرورة بباء مقدرة
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٢٦٨) ↗