سورة ص · الآية ٤٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما أثنى تعالى على داود، وذكر ما جرى له ومنه، أثنى على ابنه سليمان عليهما السلام فقال: { ووهبنا لداوود سليمان } أي: أنعمنا به عليه، وأقررنا به عينه. { نعم العبد } سليمان عليه السلام، فإنه اتصف بما يوجب المدح، وهو { إنه أواب } أي: رجاع إلى الله في جميع أحواله، بالتأله والإنابة، والمحبة والذكر والدعاء والتضرع، والاجتهاد في مرضاة الله، وتقديمها على كل شيء. ولهذا، لما عرضت عليه الخيل الجياد السبق الصافنات، أي: التي من وصفها الصفون، وهو رفع إحدى قوائمها عند الوقوف، وكان لها منظر رائق، وجمال معجب، خصوصا للمحتاج إليها كالملوك، فما زالت تعرض عليه حتى غابت الشمس في الحجاب، فألهته عن صلاة المساء وذكره. فقال ندما على ما مضى منه، وتقربا إلى الله بما ألهاه عن ذكره، وتقديما لحب الله على حب غيره: { إني أحببت حب الخير } وضمن " أحببت " معنى " آثرت " أي: آثرت حب الخير، الذي هو المال عموما، وفي هذا الموضع المراد الخيل { عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب }. { ردوها علي } فردوها { فطفق } فيها { مسحا بالسوق والأعناق } أي: جعل يعقرها بسيفه، في سوقها وأعناقها. { ولقد فتنا سليمان } أي: ابتليناه واختبرناه بذهاب ملكه، وانفصاله عنه بسبب خلل اقتضته الطبيعة البشرية، { وألقينا على كرسيه جسدا } أي: شيطانا قضى الله وقدر أن يجلس على كرسي ملكه، ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان، { ثم أناب } سليمان إلى الله تعالى وتاب. ف { قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب } فاستجاب الله له وغفر له، ورد عليه ملكه، وزاده ملكا لم يحصل لأحد من بعده، وهو تسخير الشياطين له، يبنون ما يريد، ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر والحلي، ومن عصاه منهم قرنه في الأصفاد وأوثقه. وقلنا له: { هذا عطآؤنا } فقر به عينا { فامنن } على من شئت، { أو أمسك } من شئت { بغير حساب } أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حساب، لعلمه تعالى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قد ذكر المفسرون هاهنا قصة أكثرها مأخوذ من الإسرائيليات ولم يثبت فيها عن المعصوم حديث يجب اتباعه ولكن روى ابن أبي حاتم هنا حديثا لا يصح سنده؛ لأنه من رواية يزيد الرقاشي عن أنس -ويزيد وإن كان من الصالحين-لكنه ضعيف الحديث عند الأئمة فالأولى أن (1) يقتصر على مجرد تلاوة هذه القصة وأن يرد علمها إلى الله عز وجل فإن القرآن حق وما تضمن فهو حق أيضا. وقوله: { [إذ دخلوا على داود] ففزع منهم} (2) إنما كان ذلك لأنه كان في محرابه، وهو أشرف مكان في داره وكان قد أمر ألا يدخل عليه أحد ذلك اليوم فلم يشعر إلا بشخصين قد تسورا عليه المحراب أي: احتاطا به يسألانه عن شأنهما. وقوله: {وعزني في الخطاب} أي: غلبني يقال: عز يعز: إذا قهر وغلب. وقوله: {وظن داود أنما فتناه} قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أي اختبرناه. وقوله: {وخر راكعا} أي: ساجدا {وأناب} ويحتمل أنه ركع أولا ثم سجد بعد ذلك وقد ذكر أنه استمر ساجدا أربعين صباحا، {فغفرنا له ذلك} أي: ما كان منه مما يقال فيه: إن حسنات الأبرار سيئات المقربين. وقد اختلف الأئمة رضي الله عنهم (3) في سجدة "ص" هل هي من عزائم السجود؟ على قولين الجديد من مذهب الشافعي رحمه الله أنها ليست من عزائم السجود بل هي سجدة شكر. والدليل على ذلك ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا إسماعيل -وهو ابن علية-عن أيوب عن ابن عباس (4) أنه قال في السجود في "ص": ليست من عزائم السجود وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يسجد فيها. ورواه البخاري وأبو داود والترمذي والنسائي في تفسيره من حديث أيوب به (5) وقال الترمذي: حسن (6) صحيح. وقال (7) النسائي أيضا عند تفسير هذه الآية: أخبرني إبراهيم بن الحسن -هو المقسمي-حدثنا حجاج بن محمد عن عمرو (8) بن ذر عن أبيه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سجد في "ص" وقال: "سجدها داود عليه السلام توبة ونسجدها شكرا". تفرد بروايته …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٧٥) ↗التحرير والتنوير
… العرب عن معارضته، قال تعالى في وصف القرآن: إنه لقول فصل وما هو بالهزل [الطارق: 13، 14] . [21- 25] وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (24) فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (25) وهل أتاك نبأ الخصم إذ تسوروا المحراب (21) إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط واهدنا إلى سواء الصراط (22) إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب (23) قال لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ما هم جملة وهل أتاك نبأ الخصم إلى آخرها معطوفة على جملة إنا سخرنا الجبال معه [ص: 18] . والإنشاء هنا في معنى الخبر، فإن هذه الجملة قصت شأنا من شأن داود مع ربه تعالى فهي نظير ما قبلها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٢٣٠) ↗