سورة ص · الآية ٣٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما أثنى تعالى على داود، وذكر ما جرى له ومنه، أثنى على ابنه سليمان عليهما السلام فقال: { ووهبنا لداوود سليمان } أي: أنعمنا به عليه، وأقررنا به عينه. { نعم العبد } سليمان عليه السلام، فإنه اتصف بما يوجب المدح، وهو { إنه أواب } أي: رجاع إلى الله في جميع أحواله، بالتأله والإنابة، والمحبة والذكر والدعاء والتضرع، والاجتهاد في مرضاة الله، وتقديمها على كل شيء. ولهذا، لما عرضت عليه الخيل الجياد السبق الصافنات، أي: التي من وصفها الصفون، وهو رفع إحدى قوائمها عند الوقوف، وكان لها منظر رائق، وجمال معجب، خصوصا للمحتاج إليها كالملوك، فما زالت تعرض عليه حتى غابت الشمس في الحجاب، فألهته عن صلاة المساء وذكره. فقال ندما على ما مضى منه، وتقربا إلى الله بما ألهاه عن ذكره، وتقديما لحب الله على حب غيره: { إني أحببت حب الخير } وضمن " أحببت " معنى " آثرت " أي: آثرت حب الخير، الذي هو المال عموما، وفي هذا الموضع المراد الخيل { عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب }. { ردوها علي } فردوها { فطفق } فيها { مسحا بالسوق والأعناق } أي: جعل يعقرها بسيفه، في سوقها وأعناقها. { ولقد فتنا سليمان } أي: ابتليناه واختبرناه بذهاب ملكه، وانفصاله عنه بسبب خلل اقتضته الطبيعة البشرية، { وألقينا على كرسيه جسدا } أي: شيطانا قضى الله وقدر أن يجلس على كرسي ملكه، ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان، { ثم أناب } سليمان إلى الله تعالى وتاب. ف { قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب } فاستجاب الله له وغفر له، ورد عليه ملكه، وزاده ملكا لم يحصل لأحد من بعده، وهو تسخير الشياطين له، يبنون ما يريد، ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر والحلي، ومن عصاه منهم قرنه في الأصفاد وأوثقه. وقلنا له: { هذا عطآؤنا } فقر به عينا { فامنن } على من شئت، { أو أمسك } من شئت { بغير حساب } أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حساب، لعلمه تعالى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قد أمرنا ببناء هذا البيت وقيل لنا: لا يسمعن فيه صوت حديد. قال: فأتى ببيض الهدهد فجعل عليه زجاجة فجاء الهدهد فدار حولها، فجعل يرى بيضه ولا يقدر عليه فذهب فجاء بالماس فوضعه عليه فقطعها به حتى أفضى إلى بيضه. فأخذ الماس فجعلوا يقطعون به الحجارة. وكان سليمان [عليه السلام] (1) إذا أراد أن يدخل الخلاء -أو: الحمام-لم يدخل بخاتمه فانطلق يوما إلى الحمام وذلك الشيطان صخر معه، وذلك عند مقارفة قارف فيه (2) بعض نسائه. قال: فدخل الحمام وأعطى الشيطان خاتمه فألقاه في البحر فالتقمته سمكة، ونزع ملك سليمان منه وألقي على الشيطان شبه سليمان. قال: فجاء فقعد على كرسيه وسريره وسلط على ملك سليمان كله غير نسائه. قال: فجعل يقضي بينهم، وجعلوا ينكرون منه أشياء حتى قالوا: لقد فتن نبي الله. وكان فيهم رجل يشبهونه بعمر بن الخطاب في القوة فقال: والله لأجربنه. قال: فقال: يا نبي (3) الله -وهو لا يرى إلا أنه نبي الله-أحدنا تصيبه الجنابة في الليلة الباردة فيدع الغسل عمدا حتى تطلع الشمس أترى (4) عليه بأسا؟ فقال: (5) لا. قال: فبينا هو كذلك أربعين ليلة حتى وجد نبي الله خاتمه في بطن سمكة فأقبل فجعل لا يستقبله جني ولا طير إلا سجد له حتى انتهى إليهم، {وألقينا على كرسيه جسدا} قال: هو الشيطان صخر (6) وقال السدي: {ولقد فتنا سليمان} أي: ابتلينا سليمان، {وألقينا على كرسيه جسدا} قال: جلس الشيطان على كرسيه أربعين يوما. قال: وكان لسليمان عليه السلام مائة امرأة وكانت امرأة منهن يقال لها: "جرادة"، وهي آثر نسائه وآمنهن عنده وكان إذا أجنب أو أتى حاجة (7) نزع خاتمه ولم يأتمن (8) عليه أحدا من الناس غيرها فأعطاها يوما خاتمه ودخل الخلاء فخرج الشيطان في صورته فقال: هاتي الخاتم. فأعطته فجاء حتى جلس على مجلس سليمان وخرج سليمان بعد ذلك فسألها أن تعطيه خاتمه، فقالت: ألم تأخذه قبل؟ قال: لا. وخرج مكانه تائها. قال: ومكث الشيطان يحكم بين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{فسخرنا له الريح} [ص: 36] مكان الخيل التي شغلته عن الصلاة {تجري بأمره رخاء} [ص: 36] يعني: رخوة لينة، وهي من الرخاوة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٩٤) ↗التحرير والتنوير
حقيقة، ويجوز أن يكون تمثيلا لمنع الشياطين من التفلت. وقد كان ملك سليمان مشتهرا بصنع الدروع السابغات المتقنة. يقال: دروع سليمانية. قال النابغة: وكل صموت نثلة تبعية ... ونسج سليم كل قمصاء ذائل أراد نسج سليمان، أي نسج صناعه. [39] 39] هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (39) والإشارة إلى التسخير المستفاد من فسخرنا له الريح [ص: 36] إلى قوله: والشياطين [ص: 37] أي هذا التسخير عطاؤنا. والإضافة لتعظيم شأن المضاف لانتسابه إلى المضاف إليه فكأنه قيل: هذا عطاء عظيم أعطيناكه. والعطاء مصدر بمعنى المعطى مثل الخلق بمعنى المخلوق. و «امنن» أمر مستعمل في الإذن والإباحة، وهو مشتق من المن المكنى به عن الأنعام، أي فأنعم على من شئت بالإطلاق، أو أمسك في الخدمة من شئت. فالمن: كناية عن الإطلاق بلازم اللام، كقوله تعالى: فإما منا بعد وإما فداء [محمد: 4] . وجملتا فامنن أو أمسك معترضتان بين قوله: عطاؤنا وقوله: بغير حساب، وهو تفريع مقدم من تأخير. والتقديم لتعجيل المسرة بالنعمة، ونظيره قوله تعالى من بعد: هذا فليذوقوه حميم وغساق [ص: 57] وقول عنترة: ولقد نزلت فلا تظني غيره ... مني بمنزلة المحب المكرم وقول بشارة: كقائلة إن الحمار فنحه ... عن القت أهل السمسم المتهذب مجازا وكناية في التحديد والتقدير، أي هذا عطاؤنا غير محدد ولا مقتر فيه، أي عطاؤنا واسعا وافيا لا تضييق فيه عليك.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٢٦٧) ↗