سورة ص · الآية ٣٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما أثنى تعالى على داود، وذكر ما جرى له ومنه، أثنى على ابنه سليمان عليهما السلام فقال: { ووهبنا لداوود سليمان } أي: أنعمنا به عليه، وأقررنا به عينه. { نعم العبد } سليمان عليه السلام، فإنه اتصف بما يوجب المدح، وهو { إنه أواب } أي: رجاع إلى الله في جميع أحواله، بالتأله والإنابة، والمحبة والذكر والدعاء والتضرع، والاجتهاد في مرضاة الله، وتقديمها على كل شيء. ولهذا، لما عرضت عليه الخيل الجياد السبق الصافنات، أي: التي من وصفها الصفون، وهو رفع إحدى قوائمها عند الوقوف، وكان لها منظر رائق، وجمال معجب، خصوصا للمحتاج إليها كالملوك، فما زالت تعرض عليه حتى غابت الشمس في الحجاب، فألهته عن صلاة المساء وذكره. فقال ندما على ما مضى منه، وتقربا إلى الله بما ألهاه عن ذكره، وتقديما لحب الله على حب غيره: { إني أحببت حب الخير } وضمن " أحببت " معنى " آثرت " أي: آثرت حب الخير، الذي هو المال عموما، وفي هذا الموضع المراد الخيل { عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب }. { ردوها علي } فردوها { فطفق } فيها { مسحا بالسوق والأعناق } أي: جعل يعقرها بسيفه، في سوقها وأعناقها. { ولقد فتنا سليمان } أي: ابتليناه واختبرناه بذهاب ملكه، وانفصاله عنه بسبب خلل اقتضته الطبيعة البشرية، { وألقينا على كرسيه جسدا } أي: شيطانا قضى الله وقدر أن يجلس على كرسي ملكه، ويتصرف في الملك في مدة فتنة سليمان، { ثم أناب } سليمان إلى الله تعالى وتاب. ف { قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب } فاستجاب الله له وغفر له، ورد عليه ملكه، وزاده ملكا لم يحصل لأحد من بعده، وهو تسخير الشياطين له، يبنون ما يريد، ويغوصون له في البحر، يستخرجون الدر والحلي، ومن عصاه منهم قرنه في الأصفاد وأوثقه. وقلنا له: { هذا عطآؤنا } فقر به عينا { فامنن } على من شئت، { أو أمسك } من شئت { بغير حساب } أي: لا حرج عليك في ذلك ولا حساب، لعلمه تعالى …
أكمل القراءة في الكتاب ↗