سورة ص · الآية ٢٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن تمام حكمته في خلقه السماوات والأرض، وأنه لم يخلقهما باطلا، أي: عبثا ولعبا من غير فائدة ولا مصلحة. { ذلك ظن الذين كفروا } بربهم، حيث ظنوا ما لا يليق بجلاله. { فويل للذين كفروا من النار } فإنها التي تأخذ الحق منهم، وتبلغ منهم كل مبلغ. وإنما خلق الله السماوات والأرض بالحق وللحق، فخلقهما ليعلم العباد كمال علمه وقدرته وسعة سلطانه، وأنه تعالى وحده المعبود، دون من لم يخلق مثقال ذرة من السماوات والأرض، وأن البعث حق، وسيفصل الله بين أهل الخير والشر. ولا يظن الجاهل بحكمة الله أن يسوي الله بينهما في حكمه، ولهذا قال: { أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار } هذا غير لائق بحكمتنا وحكمنا. { كتاب أنزلناه إليك مبارك } فيه خير كثير، وعلم غزير، فيه كل هدى من ضلالة، وشفاء من داء، ونور يستضاء به في الظلمات، وكل حكم يحتاج إليه المكلفون، وفيه من الأدلة القطعية على كل مطلوب، ما كان به أجل كتاب طرق العالم منذ أنشأه الله. { ليدبروا آياته } أي: هذه الحكمة من إنزاله، ليتدبر الناس آياته، فيستخرجوا علمها ويتأملوا أسرارها وحكمها، فإنه بالتدبر فيه والتأمل لمعانيه، وإعادة الفكر فيها مرة بعد مرة، تدرك بركته وخيره، وهذا يدل على الحث على تدبر القرآن، وأنه من أفضل الأعمال، وأن القراءة المشتملة على التدبر أفضل من سرعة التلاوة التي لا يحصل بها هذا المقصود. { وليتذكر أولوا الألباب } أي: أولو العقول الصحيحة، يتذكرون بتدبرهم لها كل علم ومطلوب، فدل هذا على أنه بحسب لب الإنسان وعقله يحصل له التذكر والانتفاع بهذا الكتاب.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: ص ٢٧–٢٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال الحسن البصري: والله ما تدبره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن [كله] (1) ما يرى له القرآن في خلق ولا عمل. رواه ابن أبي حاتم. يقول تعالى مخبرا أنه وهب لداود سليمان، أي: نبيا كما قال: {وورث سليمان داود} أي: في النبوة وإلا فقد كان له بنون غيره، فإنه قد كان عنده مائة امرأة حرائر. وقوله: {نعم العبد إنه أواب} ثناء على سليمان، عليه السلام، بأنه كثير الطاعة والعبادة والإنابة إلى الله عز وجل. قال (2) ابن أبي حاتم: حدثنا أبي حدثنا محمود بن خالد حدثنا الوليد حدثنا (3) مكحول قال: لما وهب الله لداود سليمان عليه (4) السلام قال له: يا بني ما أحسن؟ قال: سكينة الله وإيمان. قال: فما أقبح؟ قال: كفر بعد إيمان. قال: فما أحلى؟ قال: روح الله بين عباده. قال: فما أبرد؟ قال: عفو الله عن الناس وعفو الناس بعضهم عن بعض. قال داود عليه السلام: فأنت نبي. وقوله: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} أي: إذ عرض على سليمان في حال مملكته وسلطانه الخيل الصافنات. قال مجاهد: وهي التي تقف على ثلاث وطرف حافر الرابعة، والجياد: السراع. وكذا قال غير واحد من السلف. وقال (5) ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار حدثنا مؤمل حدثنا سفيان عن أبيه سعيد بن مسروق عن إبراهيم التيمي في قوله: {إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد} قال: كانت عشرين فرسا ذات أجنحة. كذا رواه ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زرعة حدثنا إبراهيم بن موسى حدثنا ابن أبي زائدة أخبرني إسرائيل عن سعيد بن مسروق (6) عن إبراهيم التيمي قال: كانت الخيل التي شغلت سليمان، عليه الصلاة والسلام عشرين ألف فرس، فعقرها وهذا أشبه (7) والله أعلم. وقال (8) أبو داود: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن أبي مريم أخبرنا يحيى بن أيوب حدثني عمارة بن غزية: أن محمد بن إبراهيم حدثه عن أبي سلمة بن عبد الرحمن (9) عن عائشة
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٦٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يقول تعالى ذكره {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما} [الأنبياء: 16] عبثا ولهوا، ما خلقناهما إلا ليعمل فيهما بطاعتنا، وينتهى إلى أمرنا ونهينا PageEndV20P079 {ذلك ظن الذين كفروا} [ص: 27] يقول: أي ظن أنا خلقنا ذلك باطلا ولعبا، ظن الذين كفروا بالله فلم يوحدوه، ولم يعرفوا عظمته، وأنه لا ينبغي أن يعبث، فيتيقنوا بذلك أنه لا يخلق شيئا باطلا {فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27] يعني: من نار جهنم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٢٠/٧٨) ↗التحرير والتنوير
الشرك وملته، وقد تمتعوا بالحياة الدنيا أكثر مما تمتع بها الصالحون فلا جرم استحقوا جزاء أعمالهم. ولفظ: «ويل» يدل على أشد السوء. وكلمة: ويل له، تقال للتعجيب من شدة سوء حالة المتحدث عنه، وهي هنا كناية عن شدة عذابهم في النار. ومن ابتدائية كما في قوله تعالى: فويل لهم مما كتبت أيديهم [البقرة: 79] ، وقول النبيء صلى الله عليه وسلم لابن الزبير حين شرب دم حجامته: «ويل لك من الناس وويل للناس منك» . [28] 28] أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (28) أم منقطعة أفادت إضرابا انتقاليا وهو ارتقاء في الاستدلال على ثبوت البعث وبيان لما هو من مقتضى خلق السماء والأرض بالحق، بعد أن سيق ذلك بوجه الاستدلال الجملي، وقد كان هذا الانتقال بناء على ما اقتضاه قوله: ذلك ظن الذين كفروا [ص: 27] فلأجل ذلك بني على استفهام مقدر بعد أم وهو من لوازم استعمالها، وهو استفهام إنكاري. والمعنى: لو انتفى البعث والجزاء كما تزعمون لاستوت عند الله أحوال الصالحين وأحوال المفسدين. والتشبيه في قوله: كالمفسدين للتسوية. والمعنى: إنكار أن يكونوا سواء في جعل الله، أي إذا لم يجاز كل فريق بما يستحقه على عمله، فالمشاهد في هذه الحياة الدنيا خلاف ذلك فتعين أن يكون الجزاء في عالم آخر وهو الذي يسلك له الناس بعد البعث. وقد أخذ في الاستدلال جانب المساواة بين الذين آمنوا وعملوا الصالحات وبين المفسدين في الأرض، لأنه يوجد كثير من الفريقين متساوين في حالة الحياة الدنيا في النعمة أو في التوسط أو في البؤس والخصاصة، فحالة المساواة كافية لتكون مناط الاستدلال على إبطال ظن الذين كفروا بقطع النظر عن حالة أخرى أولى
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٢٤٩) ↗