سورة الصافات · الآية ٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا قسم منه تعالى بالملائكة الكرام، في حال عبادتها وتدبيرها ما تدبره بإذن ربها، على ألوهيته تعالى وربوبيته، فقال: { والصافات صفا } أي: صفوفا في خدمة ربهم، وهم الملائكة. { فالزاجرات زجرا } وهم الملائكة، يزجرون السحاب وغيره بأمر الله، { فالتليت ذكرا } وهم الملائكة الذين يتلون كلام الله تعالى. فلما كانوا متألهين لربهم، ومتعبدين في خدمته، ولا يعصونه طرفة عين، أقسم بهم على ألوهيته فقال: { إن إلهكم لواحد } ليس له شريك في الإلهية، فأخلصوا له الحب والخوف والرجاء، وسائر أنواع العبادة. { رب السموت والأرض وما بينهما ورب المشارق } أي: هو الخالق لهذه المخلوقات، والرازق لها، المدبر لها، فكما أنه لا شريك له في ربوبيته إياها، فكذلك لا شريك له في ألوهيته، وكثيرا ما يقرر تعالى توحيد الإلهية بتوحيد الربوبية، لأنه دال عليه. وقد أقر به أيضا المشركون في العبادة، فيلزمهم بما أقروا به على ما أنكروه. وخص الله المشارق بالذكر، لدلالتها على المغارب، أو لأنها مشارق النجوم التي سيذكرها، فلهذا قال: { إنا زينا السمآء الدنيا بزينة الكواكب * وحفظا من كل شيطان مارد * لا يسمعون إلى الملإ الأعلى } ذكر الله في الكواكب هاتين الفائدتين العظيمتين: إحداهما: كونها زينة للسماء، إذ لولاها، لكانت السماء جرما مظلما لا ضوء فيها، ولكن زينها فيها لتستنير أرجاؤها، وتحسن صورتها، ويهتدى بها في ظلمات البر والبحر، ويحصل فيها من المصالح ما يحصل. والثانية: حراسة السماء عن كل شيطان مارد، يصل بتمرده إلى استماع الملأ الأعلى، وهم الملائكة، فإذا استمعت قذفتها بالشهب الثواقب { من كل جانب } طردا لهم، وإبعادا عن استماع ما يقول الملأ الأعلى. { ولهم عذاب واصب } أي: دائم، معد لهم، لتمردهم عن طاعة ربهم. ولولا أنه [تعالى] استثنى، لكان ذلك دليلا على أنهم لا يستمعون شيئا أصلا، ولكن قال: { إلا من خطف الخطفة } أي: إلا من تلقف من الشياطين المردة، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
من السماء فيلقيها إلى الذي تحته، ويلقيها الآخر إلى الذي تحته، فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها وربما ألقاها بقدر الله قبل أن يأتيه الشهاب فيحرقه، فيذهب بها الآخر إلى الكاهن، كما تقدم في الحديث، ولهذا قال: {إلا من خطف الخطفة فأتبعه شهاب ثاقب} أي: مستنير. قال (1) ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كان للشياطين مقاعد في السماء فكانوا (2) يستمعون الوحي. قال: وكانت النجوم لا تجري، وكانت الشياطين لا ترمى قال: فإذا سمعوا (3) الوحي نزلوا إلى الأرض، فزادوا في الكلمة تسعا. قال: فلما بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم، جعل الشيطان إذا قعد مقعده جاء شهاب فلم يخطئه حتى يحرقه. قال: فشكوا ذلك إلى إبليس، فقال: ما هو إلا من أمر حدث. قال: فبث جنوده، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي بين جبلي نخلة -قال وكيع: يعني بطن نخلة-قال: فرجعوا إلى إبليس فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث. (4) وستأتي الأحاديث الواردة مع الآثار في هذا المعنى عند قوله تعالى إخبارا عن الجن أنهم قالوا: {وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدا وشهبا. وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابا رصدا. وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشدا} [الجن:8-10] . يقول تعالى: فسل هؤلاء المنكرين للبعث: أيما أشد خلقا هم أم (5) السماوات والأرض، وما بينهما من الملائكة والشياطين والمخلوقات العظيمة؟ -وقرأ ابن مسعود: "أم من عددنا"-فإنهم يقرون أن هذه المخلوقات أشد خلقا منهم، وإذا كان الأمر كذلك فلم ينكرون البعث؟ وهم يشاهدون ما هو أعظم مما أنكروا (6) . كما قال تعالى: {لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون} [غافر:57] ثم بين أنهم خلقوا من شيء ضعيف، فقال {إنا خلقناهم من طين لازب} قال مجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك: هو الجيد …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تعالى ذكره بقوله: {إن إلهكم لواحد} [الصافات: 4] والصافات صفا إن معبودكم الذي يستوجب عليكم أيها الناس العبادة وإخلاص الطاعة منكم له لواحد لا ثاني له ولا شريك يقول: فأخلصوا العبادة وإياه فأفردوا بالطاعة، ولا تجعلوا له في عبادتكم إياه شريكا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٩٥) ↗التحرير والتنوير
وأقصره مكررة مرتين في السنة ابتداء من الرجوع الشتوي إلى الرجوع الخريفي، وهي مطالع متقاربة ليست متحدة، فإن المشرق اسم لمكان شروق الشمس وهو ظهورها فإذا راعوا الجهة دون الفصل قالوا: المشرق، بالإفراد، وإذا روعي الفصلان الشتاء والصيف قيل: رب المشرقين، على أن جمع المشارق قد يكون بمراعاة اختلاف المطالع في مبادئ الفصول الأربعة. والآية صالحة للاعتبارين ليعتبر كل فريق من الناس بها على حسب مبالغ علمهم. [6- 7] 7] إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (6) وحفظا من كل شيطان مارد (7) هذه الجملة تتنزل من جملة رب السماوات والأرض وما بينهما [الصافات: 5] منزلة الدليل على أنه رب السماوات. واقتصر على ربوبية السماوات لأن ثبوتها يقتضي ربوبية الأرض بطريق الأولى. وأدمج فيها منة على الناس بأن جعل لهم في السماء زينة الكواكب تروق أنظارهم فإن محاسن المناظر لذة للناظرين قال تعالى: ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون [النحل: 6] ، ومنة على المسلمين بأن جعل في تلك الكواكب حفظا من تلقي الشياطين للسمع فيما قضى الله أمره في العالم العلوي لقطع سبيل اطلاع الكهان على بعض ما سيحدث في الأرض فلا يفتنوا الناس في الإسلام كما فتنوهم في الجاهلية، وليكون ذلك تشريفا للنبيء صلى الله عليه وسلم بأن قطعت الكهانة عند إرساله وللإشارة إلى أن فيها منفعة عظيمة دينية وهي قطع دابر الشك في الوحي، كما أن فيها منفعة دنيوية وهي للزينة والاهتداء بها في ظلمات البر والبحر. والكواكب: الكريات السماوية التي تلمع في الليل عدا الشمس والقمر. وتسمى النجوم، وهي أقسام: منها العظيم، ومنها دونه، فمنها الكواكب السيارة، ومنها الثوابت، ومنها قطع تدور حول الشمس. وفي الكواكب حكم منها أن تكون زينة للسماء في الليل فالكواكب هي التي بها زينت السماء. فإضافة (زينة) إلى (الكواكب) إن جعلت زينة مصدرا بوزن فعلة مثل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٨٧) ↗