سورة الصافات · الآية ١٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بل عجبت } يا أيها الرسول وأيها الإنسان، من تكذيب من كذب بالبعث، بعد أن أريتهم من الآيات العظيمة والأدلة المستقيمة، وهو حقيقة محل عجب واستغراب، لأنه مما لا يقبل الإنكار، { و } أعجب من إنكارهم وأبلغ منه، أنهم { يسخرون } ممن جاء بالخبر عن البعث، فلم يكفهم مجرد الإنكار، حتى زادوا السخرية بالقول الحق. { و } من العجب أيضا أنهم { إذا ذكروا } ما يعرفون في فطرهم وعقولهم، وفطنوا له، وألفت نظرهم إليه { لا يذكرون } ذلك، فإن كان جهلا، فهو من أدل الدلائل على شدة بلادتهم العظيمة، حيث ذكروا ما هو مستقر في الفطر، معلوم بالعقل، لا يقبل الإشكال، وإن كان تجاهلا وعنادا، فهو أعجب وأغرب. ومن العجب [أيضا] أنهم إذا أقيمت عليهم الأدلة، وذكروا الآيات التي يخضع لها فحول الرجال وألباب الألباء، يسخرون منها ويعجبون. ومن العجب أيضا، قولهم للحق لما جاءهم: { إن هذآ إلا سحر مبين } فجعلوا أعلى الأشياء وأجلها، وهو الحق، في رتبة أخس الأشياء وأحقرها. ومن العجب أيضا، قياسهم قدرة رب الأرض والسماوات، على قدرة الآدمي الناقص من جميع الوجوه، فقالوا استبعادا وإنكارا: { أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون * أو آبآؤنا الأولون }. ولما كان هذا منتهى ما عندهم، وغاية ما لديهم، أمر الله رسوله أن يجيبهم بجواب مشتمل على ترهيبهم فقال: { قل نعم } ستبعثون، أنتم وآباؤكم الأولون { وأنتم داخرون } ذليلون صاغرون، لا تمتنعون، ولا تستعصون على قدرة الله. { فإنما هي زجرة واحدة } ينفخ إسرافيل فيها في الصور { فإذا هم } مبعوثون من قبورهم { ينظرون } كما ابتدئ خلقهم، بعثوا بجميع أجزائهم، حفاة عراة غرلا، وفي تلك الحال، يظهرون الندم والخزي والخسار، ويدعون بالويل والثبور. { وقالوا يويلنا هذا يوم الدين } فقد أقروا بما كانوا في الدنيا به يستهزؤون. فيقال لهم: { هذا يوم الفصل } بين العباد فيما بينهم وبين ربهم من الحقوق، وفيما بينهم وبين غيرهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ابن عباس، وعكرمة: هو اللزج. وقال قتادة: هو الذي يلزق باليد. وقوله: {بل عجبت ويسخرون} أي: بل عجبت -يا محمد-من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، وأنت موقن مصدق بما أخبر الله به من الأمر العجيب، وهو إعادة الأجسام بعد فنائها. وهم بخلاف أمرك، من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك. قال قتادة: عجب محمد صلى الله عليه وسلم، وسخر ضلال بني آدم. {وإذا رأوا آية} أي: دلالة واضحة على ذلك {يستسخرون} قال مجاهد وقتادة: يستهزئون. {وقالوا إن هذا إلا سحر مبين} أي:إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين، {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون، أوآباؤنا الأولون} يستبعدون ذلك ويكذبون به، {قل نعم وأنتم داخرون} أي: قل لهم يا محمد: نعم تبعثون يوم القيامة بعد ما تصيرون ترابا وعظاما، {وأنتم داخرون} أي: حقيرون تحت القدرة العظيمة، كما قال تعالى {وكل أتوه داخرين} [النمل:87] ، وقال: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر:60] . ثم قال: {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون} أي: إنما هو أمر واحد من الله عز وجل، يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم [قيام] (1) بين يديه، ينظرون إلى أهوال يوم القيامة. يخبر تعالى عن قيل الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة، ويعترفون بأنهم (1) كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة ندموا كل الندم حيث لا ينفعهم الندم، {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين} . فتقول لهم الملائكة والمؤمنون: {هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} . وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ، ويأمر الله الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم، ولهذا قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال النعمان بن بشير (2) رضي الله عنه، يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم. وكذا قال ابن عباس، وسعيد
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
هذا الذي جئتنا به إلا سحر مبين يقول: يبين لمن تأمله ورآه أنه سحر {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون} [المؤمنون: 82] يقولون منكرين بعث الله إياهم بعد بلائهم: أئنا لمبعوثون أحياء من قبورنا بعد مماتنا ومصيرنا ترابا وعظاما، قد ذهب عنها اللحوم {أوآباؤنا الأولون} [الصافات: 17] الذين مضوا من قبلنا، فبادوا وهلكوا؟ يقول الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل لهؤلاء: نعم أنتم مبعوثون بعد مصيركم ترابا وعظاما أحياء كما كنتم قبل مماتكم، وأنتم داخرون وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٥١٦) ↗التحرير والتنوير
و (يستسخرون) مبالغة في السخرية فالسين والتاء للمبالغة كقوله: فاستجاب لهم ربهم [آل عمران: 195] وقوله: فاستمسك بالذي أوحي إليك [الزخرف: 43] . فالسخرية المذكورة في قوله: ويسخرون سخرية من محاجة النبيء صلى الله عليه وسلم إياهم بالأدلة. والسخرية المذكورة هنا سخرية من ظهور الآيات المعجزات، أي يزيدون في السخرية بمن ظن منهم أن ظهور المعجزات يحول بهم عن كفرهم، ألا ترى أنهم قالوا: إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها [الفرقان: 42] . [15- 19] وقالوا إن هذا إلا سحر مبين (15) أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (16) أوآباؤنا الأولون (17) قل نعم وأنتم داخرون (18) فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون (19) عطف على جملة فاستفتهم أهم أشد خلقا [الصافات: 11] الآية. والإشارة في قوله: إن هذا إلا سحر مبين إلى مضمون قوله: فاستفتهم أهم أشد خلقا وهو إعادة الخلق عند البعث، ويبينه قوله: أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون، أي وقالوا في رد الدليل الذي تضمنه قوله: أهم أشد خلقا أم من خلقنا [الصافات: 11] أي أجابوا بأن ادعاء إعادة الحياة بعد البلى كلام سحر مبين، أي كلام لا يفهم قصد به سحر السامع. هذا وجه تفسير هذه الآية تفسيرا يلتئم به نظمها خلافا لما درج عليه المفسرون. وقرأ نافع وحده إنا لمبعوثون بهمزة واحدة هي همزة إن باعتبار أنه جواب إذا الواقعة في حيز الاستفهام فهو من حيز الاستفهام. وقرأ غير نافع أإنا بهمزتين: إحداهما همزة الاستفهام مؤكدة للهمزة الداخلة على إذا. وقوله: أوآباؤنا قرأه قالون عن نافع وابن عامر وأبو جعفر بسكون واو أوعلى أن الهمزة مع الواو حرف واحد هو أو العاطفة المفيدة للتقسيم هنا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٩٨) ↗