سورة الصافات · الآية ١٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بل عجبت } يا أيها الرسول وأيها الإنسان، من تكذيب من كذب بالبعث، بعد أن أريتهم من الآيات العظيمة والأدلة المستقيمة، وهو حقيقة محل عجب واستغراب، لأنه مما لا يقبل الإنكار، { و } أعجب من إنكارهم وأبلغ منه، أنهم { يسخرون } ممن جاء بالخبر عن البعث، فلم يكفهم مجرد الإنكار، حتى زادوا السخرية بالقول الحق. { و } من العجب أيضا أنهم { إذا ذكروا } ما يعرفون في فطرهم وعقولهم، وفطنوا له، وألفت نظرهم إليه { لا يذكرون } ذلك، فإن كان جهلا، فهو من أدل الدلائل على شدة بلادتهم العظيمة، حيث ذكروا ما هو مستقر في الفطر، معلوم بالعقل، لا يقبل الإشكال، وإن كان تجاهلا وعنادا، فهو أعجب وأغرب. ومن العجب [أيضا] أنهم إذا أقيمت عليهم الأدلة، وذكروا الآيات التي يخضع لها فحول الرجال وألباب الألباء، يسخرون منها ويعجبون. ومن العجب أيضا، قولهم للحق لما جاءهم: { إن هذآ إلا سحر مبين } فجعلوا أعلى الأشياء وأجلها، وهو الحق، في رتبة أخس الأشياء وأحقرها. ومن العجب أيضا، قياسهم قدرة رب الأرض والسماوات، على قدرة الآدمي الناقص من جميع الوجوه، فقالوا استبعادا وإنكارا: { أءذا متنا وكنا ترابا وعظاما أءنا لمبعوثون * أو آبآؤنا الأولون }. ولما كان هذا منتهى ما عندهم، وغاية ما لديهم، أمر الله رسوله أن يجيبهم بجواب مشتمل على ترهيبهم فقال: { قل نعم } ستبعثون، أنتم وآباؤكم الأولون { وأنتم داخرون } ذليلون صاغرون، لا تمتنعون، ولا تستعصون على قدرة الله. { فإنما هي زجرة واحدة } ينفخ إسرافيل فيها في الصور { فإذا هم } مبعوثون من قبورهم { ينظرون } كما ابتدئ خلقهم، بعثوا بجميع أجزائهم، حفاة عراة غرلا، وفي تلك الحال، يظهرون الندم والخزي والخسار، ويدعون بالويل والثبور. { وقالوا يويلنا هذا يوم الدين } فقد أقروا بما كانوا في الدنيا به يستهزؤون. فيقال لهم: { هذا يوم الفصل } بين العباد فيما بينهم وبين ربهم من الحقوق، وفيما بينهم وبين غيرهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ابن عباس، وعكرمة: هو اللزج. وقال قتادة: هو الذي يلزق باليد. وقوله: {بل عجبت ويسخرون} أي: بل عجبت -يا محمد-من تكذيب هؤلاء المنكرين للبعث، وأنت موقن مصدق بما أخبر الله به من الأمر العجيب، وهو إعادة الأجسام بعد فنائها. وهم بخلاف أمرك، من شدة تكذيبهم يسخرون مما تقول لهم من ذلك. قال قتادة: عجب محمد صلى الله عليه وسلم، وسخر ضلال بني آدم. {وإذا رأوا آية} أي: دلالة واضحة على ذلك {يستسخرون} قال مجاهد وقتادة: يستهزئون. {وقالوا إن هذا إلا سحر مبين} أي:إن هذا الذي جئت به إلا سحر مبين، {أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أئنا لمبعوثون، أوآباؤنا الأولون} يستبعدون ذلك ويكذبون به، {قل نعم وأنتم داخرون} أي: قل لهم يا محمد: نعم تبعثون يوم القيامة بعد ما تصيرون ترابا وعظاما، {وأنتم داخرون} أي: حقيرون تحت القدرة العظيمة، كما قال تعالى {وكل أتوه داخرين} [النمل:87] ، وقال: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر:60] . ثم قال: {فإنما هي زجرة واحدة فإذا هم ينظرون} أي: إنما هو أمر واحد من الله عز وجل، يدعوهم دعوة واحدة أن يخرجوا من الأرض، فإذا هم [قيام] (1) بين يديه، ينظرون إلى أهوال يوم القيامة. يخبر تعالى عن قيل الكفار يوم القيامة أنهم يرجعون على أنفسهم بالملامة، ويعترفون بأنهم (1) كانوا ظالمين لأنفسهم في الدار الدنيا، فإذا عاينوا أهوال القيامة ندموا كل الندم حيث لا ينفعهم الندم، {وقالوا يا ويلنا هذا يوم الدين} . فتقول لهم الملائكة والمؤمنون: {هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون} . وهذا يقال لهم على وجه التقريع والتوبيخ، ويأمر الله الملائكة أن تميز الكفار من المؤمنين في الموقف في محشرهم ومنشرهم، ولهذا قال تعالى: {احشروا الذين ظلموا وأزواجهم} قال النعمان بن بشير (2) رضي الله عنه، يعني بأزواجهم أشباههم وأمثالهم. وكذا قال ابن عباس، وسعيد
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٧/٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٥١٥) ↗التحرير والتنوير
و (خلقا) تمييز، أي أخلقهم أشد أم خلق من خلقنا الذي سمعتم وصفه. والمراد ب من خلقنا ما خلقه الله من السماوات والأرض وما بينهما الشامل للملائكة والشياطين والكواكب المذكورة آنفا بقرينة إيراد فاء التعقيب بعد ذكر ذلك، وهذا كقوله تعالى: أأنتم أشد خلقا أم السماء [النازعات: 27] ونحوه. وجيء باسم العاقل وهو من الموصولة تغليبا للعاقلين من المخلوقات. وجملة إنا خلقناهم من طين لازب في موضع العلة لما يتولد من معنى الاستفهام في قوله: أهم أشد خلقا أم من خلقنا من الإقرار بأنهم أضعف خلقا من خلق السماوات وعوالمها احتجاجا عليهم بأن تأتي خلقهم بعد الفناء أهون من تأتي المخلوقات العظيمة المذكورة آنفا ولم تكن مخلوقة قبل فإنهم خلقوا من طين لأن أصلهم وهو آدم خلق من طين كما هو مقرر لدى جميع البشر فكيف يحيلون البعث بمقالاتهم التي منها قولهم: أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون [الصافات: 16] . والطين: التراب المخلوط بالماء. واللازب: اللاصق بغيره ومنه أطلق على الأمر الواجب «لازب» في قول النابغة: ولا يحسبون الشر ضربة لازب وقد قيل: إن باء لازب بدل من ميم لازم، والمعنى: أنه طين عتيق صار حمأة. وضمير إنا خلقناهم عائد إلى المشركين وهو على حذف مضاف، أي خلقنا أصلهم وهو آدم فإنه الذي خلق من طين لازب، فإذا كان أصلهم قد أنشئ من تراب فكيف ينكرون إمكان إعادة كل آدمي من تراب. [12- 14] 14] بل عجبت ويسخرون (12) وإذا ذكروا لا يذكرون (13) وإذا رأوا آية يستسخرون (14) بل للإضراب الانتقالي من التقرير التوبيخي إلى أن حالهم عجب. وقرأ الجمهور بل عجبت بفتح التاء للخطاب. والخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٩٥) ↗