سورة يس · الآية ٦٧
﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى جزاء المتقين، ذكر جزاء المجرمين { و } أنهم يقال لهم يوم القيامة { امتازوا اليوم أيها المجرمون } أي: تميزوا عن المؤمنين، وكونوا على حدة، ليوبخهم ويقرعهم على رؤوس الأشهاد قبل أن يدخلهم النار، فيقول لهم: { ألم أعهد إليكم } أي: آمركم وأوصيكم، على ألسنة رسلي، [وأقول لكم:] { يبني ءادم أن لا تعبدوا الشيطان } أي: لا تطيعوه؟ وهذا التوبيخ، يدخل فيه التوبيخ عن جميع أنواع الكفر والمعاصي، لأنها كلها طاعة للشيطان وعبادة له، { إنه لكم عدو مبين } فحذرتكم منه غاية التحذير، وأنذرتكم عن طاعته، وأخبرتكم بما يدعوكم إليه، { و } أمرتكم { أن اعبدوني } بامتثال أوامري وترك زواجري، { هذا } أي: عبادتي وطاعتي، ومعصية الشيطان { صراط مستقيم } فعلوم الصراط المستقيم وأعماله ترجع إلى هذين الأمرين، أي: فلم تحفظوا عهدي، ولم تعملوا بوصيتي، فواليتم عدوكم، ف { أضل منكم جبلا كثيرا } أي: خلقا كثيرا. { أفلم تكونوا تعقلون } أي: فلا كان لكم عقل يأمركم بموالاة ربكم ووليكم الحق، ويزجركم عن اتخاذ أعدى الأعداء لكم وليا، فلو كان لكم عقل صحيح لما فعلتم ذلك، فإذا أطعتم الشيطان، وعاديتم الرحمن، وكذبتم بلقائه، ووردتم القيامة دار الجزاء، وحق عليكم القول بالعذاب ف { هذه جهنم التي كنتم توعدون } وتكذبون بها، فانظروا إليها عيانا، فهناك تنزعج منهم القلوب، وتزوغ الأبصار، ويحصل الفزع الأكبر. ثم يكمل ذلك، بأن يؤمر بهم إلى النار، ويقال لهم: { اصلوها اليوم بما كنتم تكفرون } أي: ادخلوها على وجه تصلاكم، ويحيط بكم حرها، ويبلغ منكم كل مبلغ، بسبب كفركم بآيات الله، وتكذيبكم لرسل الله. قال الله تعالى في بيان وصفهم الفظيع في دار الشقاء: { اليوم نختم على أفواههم } بأن نجعلهم خرسا فلا يتكلمون، فلا يقدرون على إنكار ما عملوه من الكفر والتكذيب. { وتكلمنآ أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون } أي: تشهد عليهم أعضاؤهم بما عملوه، وينطقها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
فيقول كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا، وبالكرام الكاتبين (1) شهودا. فيختم على فيه، ويقال لأركانه: انطقي. فتنطق بعمله، ثم يخلي بينه وبين الكلام، فيقول: بعدا لكن وسحقا، فعنكن كنت أناضل". وقد رواه مسلم والنسائي، كلاهما عن أبي بكر بن أبي النضر، عن أبي النضر، عن عبيد الله بن عبد الرحمن الأشجعي، عن سفيان -هو الثوري-به. (2) ثم قال النسائي: [لا أعلم (3) أحدا روى هذا الحديث عن سفيان غير الأشجعي، وهو حديث غريب، والله تعالى أعلم. كذا قال، وقد تقدم من رواية أبي عامر عبد الملك بن عمرو الأسدي -وهو العقدي-عن سفيان. وقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن بهز (4) بن حكيم، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنكم تدعون مفدمة (5) أفواهكم بالفدام، فأول ما يسأل عن أحدكم فخذه وكتفه". رواه النسائي] (6) عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، به. (7) وقال سفيان بن عيينة، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث القيامة الطويل، قال فيه: "ثم يلقى (8) الثالث فيقول: ما أنت؟ فيقول: أنا عبدك، آمنت بك وبنبيك وبكتابك، وصمت وصليت وتصدقت -ويثني بخير ما استطاع-قال: فيقال له: ألا نبعث عليك شاهدنا (9) ؟ قال: فيفكر في نفسه، من الذي يشهد عليه، فيختم على فيه، ويقال لفخذه: انطقي. فتنطق (10) فخذه ولحمه وعظامه بما كان يعمل، وذلك المنافق، وذلك ليعذر من نفسه. وذلك الذي سخط الله عليه". ورواه مسلم وأبو داود، من حديث سفيان بن عيينة، به بطوله. (11) ثم قال ابن أبي حاتم، رحمه الله: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا إسماعيل بن عياش، حدثنا ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد، (12) عن عقبة بن عامر؛ أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أول عظم من الإنسان يتكلم يوم يختم على الأفواه، فخذه من الرجل اليسرى". (13) . ورواه ابن جرير عن محمد بن عوف، عن عبد الله بن المبارك، عن إسماعيل بن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
لأعميناهم عن الهدى، وأضللناهم عن قصد المحجة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٧٤) ↗التحرير والتنوير
ولو نشاء لطمسنا على أعينهم فاستبقوا الصراط فأنى يبصرون (66) ولو نشاء لمسخناهم على مكانتهم فما استطاعوا مضيا ولا يرجعون (67) عطف على جملة ويقولون متى هذا الوعد [يس: 48] . وموقع هاتين الآيتين من التي قبلهما أنه لما ذكر الله إلجاءهم إلى الاعتراف بالشرك بعد إنكاره يوم القيامة كان ذلك مثيرا لأن يهجس في نفوس المؤمنين أن يتمنوا لو سلك الله بهم في الدنيا مثل هذا الإلجاء فألجأهم إلى الإقرار بوحدانيته وإلى تصديق رسوله واتباع دينه، فأفاد الله أنه لو تعلقت إرادته بذلك في الدنيا لفعل، إيماء إلى أن إرادته تعالى تجري تعلقاتها على وفق علمه تعالى وحكمته. فهو قد جعل نظام الدنيا جاريا على حصول الأشياء عن أسبابها التي وكل الله إليها إنتاج مسبباتها وأثارها وتوالداتها حتى إذا بدل هذا العالم بعالم الحقيقة أجرى الأمور كلها على المهيع الحق الذي لا ينبغي غيره في مجاري العقل والحكمة. والمعنى إنا ألجأناهم إلى الإقرار في الآخرة بأن ما كانوا عليه في الدنيا شرك وباطل ولو نشاء لأريناهم آياتنا في الدنيا ليرتدعوا ويرجعوا عن كفرهم وسوء إنكارهم. ولما كانت لو تقتضي امتناعا لامتناع فهي تقتضي معنى: لكنا لم نشأ ذلك فتركناهم على شأنهم استدراجا وتمييزا بين الخبيث والطيب. فهذا كلام موجه إلى المسلمين ومراد منه تبصرة المؤمنين وإرشادهم إلى الصبر على ما يلاقونه من المشركين حتى يأتي نصر الله. فالطمس والمسخ المعلقان على الشرط الامتناعي طمس ومسخ في الدنيا لا في الآخرة. والطمس: مسخ شواهد العين بإزالة سوادها وبياضها أو اختلاطهما وهو العمى أو العور، ويقال: طريق مطموسة، إذا لم تكن فيها آثار السائرين ليقفوها السائر. وحرف الاستعلاء للدلالة على تمكن الطمس وإلا فإن طمس يتعدى بنفسه.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/٥١) ↗