البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة يس · الآية ٣٨

﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: { وآية لهم } على نفوذ مشيئة الله، وكمال قدرته، وإحيائه الموتى بعد موتهم. { اليل نسلخ منه النهار } أي: نزيل الضياء العظيم الذي طبق الأرض، فنبدله بالظلمة، ونحلها محله { فإذا هم مظلمون } وكذلك نزيل هذه الظلمة، التي عمتهم وشملتهم، فتطلع الشمس، فتضيء الأقطار، وينتشر الخلق لمعاشهم ومصالحهم، ولهذا قال: { والشمس تجري لمستقر لها } [أي: دائما تجري لمستقر لها] قدره الله لها، لا تتعداه، ولا تقصر عنه، وليس لها تصرف في نفسها، ولا استعصاء على قدرة الله تعالى. { ذلك تقدير العزيز } الذي بعزته دبر هذه المخلوقات العظيمة، بأكمل تدبير، وأحسن نظام. { العليم } الذي بعلمه، جعلها مصالح لعباده، ومنافع في دينهم ودنياهم. { والقمر قدرناه منازل } ينزل بها، كل ليلة ينزل منها واحدة، { حتى } يصغر جدا، فيعود { كالعرجون القديم } أي: عرجون النخلة، الذي من قدمه نش وصغر حجمه وانحنى، ثم بعد ذلك، ما زال يزيد شيئا فشيئا، حتى يتم [نوره] ويتسق ضياؤه. { وكل } من الشمس والقمر، والليل والنهار، قدره [الله] تقديرا لا يتعداه، وكل له سلطان ووقت، إذا وجد عدم الآخر، ولهذا قال: { لا الشمس ينبغي لهآ أن تدرك القمر } أي: في سلطانه الذي هو الليل، فلا يمكن أن توجد الشمس في الليل، { ولا اليل سابق النهار } فيدخل عليه قبل انقضاء سلطانه، { وكل } من الشمس والقمر والنجوم { في فلك يسبحون } أي: يترددون على الدوام، فكل هذا دليل ظاهر، وبرهان باهر، على عظمة الخالق وعظمة أوصافه، خصوصا وصف القدرة والحكمة والعلم في هذا الموضع.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: يس ٣٧–٤٠) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… قال: {يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا} [الأعراف: 54] ؛ ولهذا قال عز وجل هاهنا: {وآية لهم الليل نسلخ منه النهار} أي: نصرمه منه فيذهب، فيقبل الليل؛ ولهذا قال: {فإذا هم مظلمون} كما جاء في الحديث: "إذا أقبل الليل من هاهنا، وأدبر النهار من هاهنا، وغربت الشمس، فقد أفطر الصائم". (1) هذا هو الظاهر من الآية، وزعم قتادة أنها كقوله تعالى: {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل} [الحج: 61] وقد ضعف ابن جرير قول قتادة هاهنا، وقال: إنما معنى الإيلاج: الأخذ من هذا في هذا، وليس هذا مرادا في هذه الآية. وهذا الذي قاله ابن جرير حق. وقوله: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} ، في معنى قوله: {لمستقر لها} قولان: أحدهما: أن المراد: مستقرها المكاني، وهو تحت العرش مما يلي الأرض في ذلك الجانب، وهي أينما كانت فهي تحت العرش وجميع المخلوقات؛ لأنه سقفها، وليس بكرة كما يزعمه كثير من أرباب الهيئة، وإنما هو قبة ذات قوائم تحمله الملائكة، وهو فوق العالم مما يلي رؤوس الناس، فالشمس إذا كانت في قبة الفلك وقت الظهيرة تكون أقرب ما تكون من العرش، فإذا استدارت في فلكها الرابع إلى مقابلة هذا المقام، وهو وقت نصف الليل، صارت أبعد ما تكون من العرش، فحينئذ تسجد وتستأذن في الطلوع، كما جاءت بذلك الأحاديث. قال البخاري: حدثنا أبو نعيم، حدثنا الأعمش، عن إبراهيم [التيمي] ، (2) عن أبيه، عن أبي ذر، رضي الله عنه، قال: كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد عند غروب الشمس، فقال: "يا أبا ذر، أتدري أين تغرب الشمس؟ " قلت: الله ورسوله أعلم. قال: "فإنها تذهب حتى تسجد تحت العرش، فذلك قوله: {والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم} . حدثنا عبد الله بن الزبير الحميدي، حدثنا وكيع عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبيه، عن أبي ذر قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قوله: {والشمس تجري لمستقر لها} ، قال: "مستقرها …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

عنه، كأنه قيل: نسلخ عنه النهار، فنأتي بالظلمة ونذهب بالنهار ومنه قوله: {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها} [الأعراف: 175] أي خرج منها وتركها، فكذلك انسلاخ الليل من النهار وقوله: {فإذا هم مظلمون} [يس: 37] يقول: فإذا هم قد صاروا في ظلمة بمجيء الليل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٤٣٤) ↗

التحرير والتنوير

38] والشمس تجري لمستقر لها ذلك تقدير العزيز العليم (38) الشمس يجوز أن يكون معطوفا على الليل من قوله: وآية لهم الليل [يس: 37] عطف مفرد على مفرد ويقدر له خبر مماثل لخبر الليل، والتقدير: والشمس آية لهم، وتكون جملة تجري حالا من الشمس مثل جملة نسلخ منه النهار [يس: 37] . ويجوز أن يكون عطف جملة على جملة ويكون قوله: تجري خبرا عن الشمس. وأياما كان فهو تفصيل لإجمال جملة وآية لهم الليل نسلخ منه النهار [يس: 37] إلخ كما دل عليه قوله الآتي: ولا الليل سابق النهار [يس: 40] ، وكان مقتضى الظاهر من كونه تفصيلا أن لا يعطف فيقال: الشمس تجري لمستقر لها، فخولف مقتضى الظاهر لأن في هذا التفصيل آية خاصة وهي آية سير الشمس والقمر. وقدم التنبيه على آية الليل والنهار لما ذكرناه هنالك فكانت آية الشمس المذكورة هنا مرادا بها دليل آخر على عظيم صنع الله تعالى وهو نظام الفصول. وجملة تجري لمستقر لها يحتمل الوجوه التي ذكرناها في جملة أحييناها [يس: 33] من كونها حالا أو بيانا لجملة وآية لهم [يس: 37] أو بدل اشتمال من وآية. والجري حقيقته: السير السريع وهو لذوات الأرجل، وأطلق مجازا على تنقل الجسم من مكان إلى مكان تنقلا سريعا بالنسبة لتنقل أمثال ذلك الجسم، وغلب هذا الإطلاق فساوى الحقيقة وأريد به السير في مسافات متباعدة جد التباعد فتقطعها في مدة قصيرة بالنسبة لتباعد الأرض حول الشمس. وهذا استدلال بآثار ذلك السير المعروفة للناس معرفة إجمالية بما يحسبون من الوقت وامتداد الليل والنهار وهي المعرفة لأهل المعرفة بمراقبة أحوالها من خاصة الناس وهم الذين يرقبون منازل تنقلها المسماة بالبروج الاثني عشر، والمعروفة لأهل العلم بالهيئة تفصيلا واستدلالا وكل هؤلاء مخاطبون بالاعتبار بما بلغه علمهم. والمستقر: مكان الاستقرار، أي القرار أو زمانه، فالسين والتاء فيه للتأكيد مثل: استجاب بمعنى أجاب.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٣/١٩) ↗