البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة فاطر · الآية ٢٨

﴿وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَٰلِكَ ۗ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ ۗ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يذكر تعالى خلقه للأشياء المتضادات، التي أصلها واحد ومادتها واحدة، وفيها من التفاوت والفرق ما هو مشاهد معروف، ليدل العباد على كمال قدرته وبديع حكمته. فمن ذلك: أن الله تعالى أنزل من السماء ماء، فأخرج به من الثمرات المختلفات، والنباتات المتنوعات، ما هو مشاهد للناظرين، والماء واحد، والأرض واحدة. ومن ذلك: الجبال التي جعلها الله أوتادا للأرض، تجدها جبالا مشتبكة، بل جبلا واحدا، وفيها ألوان متعددة، فيها جدد بيض، أي: طرائق بيض، وفيها طرائق صفر وحمر، وفيها غرابيب سود، أي: شديدة السواد جدا. ومن ذلك: الناس والدواب، والأنعام، فيها من اختلاف الألوان والأوصاف والأصوات والهيئات، ما هو مرئي بالأبصار، مشهود للنظار، والكل من أصل واحد ومادة واحدة. فتفاوتها دليل عقلي على مشيئة الله تعالى، التي خصصت ما خصصت منها، بلونه، ووصفه، وقدرة الله تعالى حيث أوجدها كذلك، وحكمته ورحمته، حيث كان ذلك الاختلاف وذلك التفاوت، فيه من المصالح والمنافع، ومعرفة الطرق، ومعرفة الناس بعضهم بعضا، ما هو معلوم. وذلك أيضا، دليل على سعة علم الله تعالى، وأنه يبعث من في القبور، ولكن الغافل ينظر في هذه الأشياء وغيرها نظر غفلة لا تحدث له التذكر، وإنما ينتفع بها من يخشى الله تعالى، ويعلم بفكره الصائب وجه الحكمة فيها. ولهذا قال: { إنما يخشى الله من عباده العلماء } فكل من كان بالله أعلم، كان أكثر له خشية، وأوجبت له خشية الله، الانكفاف عن المعاصي، والاستعداد للقاء من يخشاه، وهذا دليل على فضيلة العلم، فإنه داع إلى خشية الله، وأهل خشيته هم أهل كرامته، كما قال تعالى: رضى الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه [البينة: 8]. { إن الله عزيز } كامل العزة، ومن عزته خلق هذه المخلوقات المتضادات. { غفور } لذنوب التائبين.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: فاطر ٢٧–٢٨) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… وخلق الجبال كذلك مختلفة الألوان، كما هو المشاهد أيضا من بيض وحمر، وفي بعضها طرائق -وهي: الجدد، جمع جدة-مختلفة الألوان أيضا. قال ابن عباس، رضي الله عنهما: الجدد: الطرائق. وكذا قال أبو مالك، والحسن، وقتادة، والسدي. (1) ومنها {وغرابيب سود} ، قال عكرمة: الغرابيب: الجبال الطوال السود. وكذا قال أبو مالك، وعطاء الخراساني وقتادة. وقال ابن جرير: والعرب إذا وصفوا الأسود بكثرة السواد، قالوا: أسود غربيب. ولهذا قال بعض المفسرين في هذه الآية: هذا من المقدم والمؤخر في قوله تعالى: {وغرابيب سود} أي: سود غرابيب. وفيما قاله نظر. وقوله تعالى: {ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك} أي: [و] (2) كذلك الحيوانات من الأناسي والدواب -وهو: كل ما دب على قوائم-والأنعام، من باب عطف الخاص على العام. كذلك هي مختلفة أيضا، فالناس منهم بربر وحبوش وطماطم في غاية السواد، وصقالبة وروم في غاية البياض، والعرب بين ذلك، والهنود دون ذلك؛ ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى: {واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين} [الروم: 22] . وكذلك الدواب والأنعام مختلفة الألوان، حتى في الجنس الواحد، بل النوع الواحد منهن مختلف الألوان، بل الحيوان الواحد يكون أبلق، فيه من هذا اللون وهذا اللون، فتبارك الله أحسن الخالقين. وقد قال (3) الحافظ أبو بكر البزار في مسنده: حدثنا الفضل بن سهل، حدثنا عبد الله بن عمر بن أبان بن صالح، حدثنا زياد بن عبد الله، عن عطاء بن السائب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: أيصبغ ربك؟ قال: "نعم صبغا لا ينفض، أحمر وأصفر وأبيض". (4) وروي مرسلا وموقوفا، والله أعلم. ولهذا قال تعالى بعد هذا: {إنما يخشى الله من عباده العلماء} أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به؛ لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

ألم تر يا محمد أن الله أنزل من السماء غيثا، فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها؛ يقول: فسقيناه أشجارا في الأرض، فأخرجنا به من تلك الأشجار ثمرات مختلفا ألوانها، منها الأحمر، ومنها الأسود والأصفر، وغير ذلك من ألوانها {ومن الجبال جدد بيض وحمر} [فاطر: 27] يقول تعالى ذكره: ومن الجبال طرائق، وهي الجدد، وهي الخطط تكون في الجبال بيض وحمر وسود، كالطرق؛ واحدتها جدة؛ ومنه قول امرئ القيس في صفة حمار: [البحر الطويل]

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٦٢) ↗

التحرير والتنوير

فالغربيب يدل على أشد من معنى أسود، فكان مقتضى الظاهر أن يكون غرابيب متأخرا عن سود لأن الغالب أنهم يقولون: أسود غربيب، كما يقولون: أبيض يقق وأصفر فاقع وأحمر قان، ولا يقولون: غربيب أسود وإنما خولف ذلك للرعاية على الفواصل المبنية على الواو والياء الساكنتين ابتداء من قوله: والله هو الغني الحميد [فاطر: 15] ، على أن في دعوى أن يكون غربيبا تابعا لأسود نظرا والآية تؤيد هذا النظر، ودعوى كون غرابيب صفة لمحذوف يدل عليه سود تكلف واضح، وكذلك دعوى الفراء: أن الكلام على التقديم والتأخير، وغرض التوكيد حاصل على كل حال. [28] ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء إن الله عزيز غفور (28) ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه. موقعه كموقع قوله: ومن الجبال جدد [فاطر: 27] ، ولا يلزم أن يكون مسوغ الابتداء بالنكرة غير مفيد معنى آخر فإن تقديم الخبر هنا سوغ الابتداء بالنكرة. واختلاف ألوان الناس منه اختلاف عام وهو ألوان أصناف البشر وهي الأبيض والأسود والأصفر والأحمر حسب الاصطلاح الجغرافي. وللعرب في كلامهم تقسيم آخر لألوان أصناف البشر، وقد تقدم عند قوله: واختلاف ألسنتكم وألوانكم في سورة الروم [22] . ومن تبعيضية. والمعنى: أن المختلف ألوانه بعض من الناس، ومجموع المختلفات كله هو الناس كلهم وكذلك الدواب والأنعام، وهو نظم دقيق دعا إليه الإيجاز. وجيء في جملة ومن الجبال جدد [فاطر: 27] ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه بالاسمية دون الفعلية كما في الجملة السابقة لأن اختلاف ألوان الجبال والحيوان الدال على اختلاف أحوال الإيجاد اختلافا دائما لا يتغير وإنما يحصل مرة واحدة عند الخلق وعند تولد النسل.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٣٠٣) ↗