سورة سبأ · الآية ٤٧
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقوله: { قل إن ربي يقذف بالحق علام الغيوب} ، كقوله تعالى: {يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده} [غافر: 15] . أي: يرسل الملك إلى من يشاء من عباده من أهل الأرض، وهو علام الغيوب، فلا تخفى عليه خافية في السموات ولا في الأرض. وقوله: {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} أي: جاء الحق من الله والشرع العظيم، وذهب الباطل وزهق واضمحل، كقوله: {بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه [فإذا هو زاهق (1) ] } [الأنبياء: 18] ، ولهذا لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد الحرام يوم الفتح، ووجد تلك الأصنام منصوبة حول الكعبة، جعل يطعن الصنم (2) بسية قوسه، ويقرأ: {وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا} ، {قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد} . رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وحده عند هذه الآية، كلهم من حديث الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر عبد الله بن سخبرة، عن ابن مسعود، به (3) . أي: لم يبق للباطل مقالة ولا رياسة ولا كلمة. وزعم قتادة والسدي: أن المراد بالباطل ها هنا إبليس، إنه لا يخلق أحدا ولا يعيده، ولا يقدر على ذلك. وهذا وإن كان حقا ولكن ليس هو المراد هاهنا (4) والله أعلم. وقوله: {قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي} أي: الخير كله من عند الله، وفيما أنزله الله عز وجل من الوحي والحق المبين فيه الهدى والبيان والرشاد، ومن ضل فإنما يضل من تلقاء نفسه، كما قال عبد الله بن مسعود، رضي الله عنه، لما سئل عن تلك المسألة في المفوضة: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه. (5) وقوله: {إنه سميع قريب} أي: سميع لأقوال عباده، قريب مجيب دعوة الداعي إذا دعاه. وقد روى النسائي هاهنا حديث أبي موسى الذي في الصحيحين [أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال] (6) : "إنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، إنما تدعون سميعا " …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٣٠٥) ↗التحرير والتنوير
وقلتم كاهن وقلتم مجنون، وو الله ما هو بأولئكم. وإذا كان لا يكذب على الناس فكيف يكذب على الله، كما قال هرقل لأبي سفيان وقد سأله: هل جربتم عليه كذبا قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: لا. قال: فقد علمت أنه لم يكن ليترك الكذب على الناس ويكذب على الله. ومن أجل هذا التدرج الذي طوي تحت جملة ما بصاحبكم من جنة أعقب ذلك بحصر أمره في النذرات بقرب عذاب واقع، أي في النذارة والرسالة الصادقة. قال في «الكشاف» : أي مثل هذه الدعوى لا يتصدى لها إلا رجلان: إما مجنون لا يبالي بافتضاحه إذا طولب بالبرهان، وإما عاقل راجح العقل لا يدعي مثله إلا بعد صحته بالحجة، وإلا فما يجدي العاقل دعوى شيء لا بينة عليه وقد علمتم أن محمدا صلى الله عليه وسلم ما به من جنة بل علمتموه أرجح قريش عقلا وأرزنهم حلما وأثقبهم ذهنا وآصلهم رأيا وأصدقهم قولا وأجمعهم لما يحمد عليه الرجال فكان مظنة لأن تظنوا به الخير وترجحوا فيه جانب الصدق على الكذب» اه. فالقصر المستفاد من إن هو إلا نذير لكم قصر موصوف على صفة قصرا إضافيا، أي هو مقصور على صفة النذارة لا تحوم حوله الأوصاف التي لمزتموه بها. ومعنى بين يدي عذاب القرب، أي قرب الحصول فيقتضي القبلية، أي قبل عذاب، وقد تقدم آنفا في هذه السورة، والمراد عذاب الآخرة. [47] 47] قل ما سألتكم من أجر فهو لكم إن أجري إلا على الله وهو على كل شيء شهيد (47) هذا استقصاء لبقايا شبه التكذيب لدحضها سواء منها ما تعلقوا به من نحو قولهم: كاهن وشاعر ومجنون وما لم يدعوه ولكنه قد يخطر ببال واحد منهم أن يزعموا أنه يريد بهذه الدعوة نفعا لنفسه يكون أجرا له على التعليم والإرشاد. وهم لما ادعوا أنه ساحر أو أنه شاعر أو أنه كاهن لزم من دعواهم أنه يتعرض
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٢٣٥) ↗