سورة سبأ · الآية ٤
التفسير
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أخبر تعالى أن إليه مرجع الخلائق يوم القيامة، لا يترك منهم أحدا حتى يعيده كما بدأه. ثم ذكر تعالى أنه كما بدأ الخلق كذلك يعيده، {وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه} [الروم: 27] . {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} أي: بالعدل والجزاء الأوفى، {والذين كفروا لهم شراب من حميم وعذاب أليم بما كانوا يكفرون} أي: بسبب كفرهم يعذبون يوم القيامة بأنواع العقاب، من {سموم وحميم وظل من يحموم} [الواقعة: 42، 43] . {هذا فليذوقوه حميم وغساق وآخر من شكله أزواج} [ص: 57، 58] . {هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون يطوفون بينها وبين حميم آن} [الرحمن: 43، 44] . يخبر تعالى عما خلق من الآيات الدالة على كمال قدرته، وعظيم سلطانه، وأنه جعل الشعاع الصادر عن جرم الشمس ضياء وشعاع القمر نورا، هذا فن وهذا فن آخر، ففاوت بينهما لئلا يشتبها، وجعل سلطان الشمس بالنهار، وسلطان القمر بالليل، وقدر القمر منازل، فأول ما يبدو صغيرا، ثم يتزايد نوره وجرمه، حتى يستوسق ويكمل إبداره، ثم يشرع في النقص حتى يرجع إلى حاله الأول في تمام شهر، كما قال تعالى: {والقمر قدرناه منازل حتى عاد كالعرجون القديم لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر ولا الليل سابق النهار وكل في فلك يسبحون} [يس: 39، 40] . وقال: {والشمس والقمر حسبانا ذلك تقدير العزيز العليم} [الأنعام: 96] . وقال في هذه الآية الكريمة: {وقدره} أي: القمر {وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب} فبالشمس تعرف الأيام، وبسير القمر تعرف الشهور والأعوام. {ما خلق الله ذلك إلا بالحق} أي: لم يخلقه عبثا بل له حكمة عظيمة في ذلك، وحجة بالغة، كما قال تعالى: {وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} [ص: 27] . وقال تعالى: {أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم} [المؤمنون: 115، 116] …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
… قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {إنه يبدأ الخلق ثم يعيده} [يونس: 4] يحييه ثم يميته، ثم يبدؤه ثم يحييه " قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابن أبي جعفر، عن ورقاء، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد بنحوه وقرأت قراء الأمصار ذلك: {إنه يبدأ الخلق} [يونس: 4] بكسر الألف من إنه على الاستئناف وذكر عن أبي جعفر الرازي أنه قرأه أنه بفتح الألف من «أنه» كأنه أراد: حقا أن يبدأ الخلق ثم يعيده، ف «أن» حينئذ تكون رفعا، كما قال الشاعر: [البحر الطويل] أحقا عباد الله أن لست زائرا %~% أبا حبة إلا علي رقيب PageEndV12P117 وقوله: {ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات بالقسط} [يونس: 4] يقول: ثم يعيده من بعد مماته كهيئته قبل مماته عند بعثه من قبره، وقوله: {ليجزي الذين آمنوا} [يونس: 4] يقول: ليثيب من صدق الله ورسوله وعملوا ما أمرهم الله به من الأعمال واجتنبوا ما نهاهم عنه على أعمالهم الحسنة {بالقسط} [يونس: 4] يقول: ليجزيهم على الحسن من أعمالهم التي عملوها في الدنيا الحسن من الثواب والصالح من الجزاء في الآخرة، وذلك هو القسط. والقسط العدل والإنصاف؛ كما حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفة، قال: ثنا شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: " {بالقسط} [يونس: 4] بالعدل " وقوله: {والذين كفروا لهم شراب من حميم} [يونس: 4] فإنه جل ثناؤه ابتدأ الخبر عما أعد الله للذين كفروا من العذاب. وفيه معنى العطف على الأول، لأنه تعالى ذكره عم بالخبر عن معاد جميعهم كفارهم ومؤمنيهم إليه، ثم أخبر أن إعادتهم ليجزي كل فريق بما عمل، المحسن منهم بالإحسان والمسيء بالإساءة. ولكن لما كان قد تقدم الخبر المستأنف عما أعد للذين كفروا من العذاب ما يدل سامع ذلك على المراد ابتدأ الخبر والمعنى العطف، فقال: والذين جحدوا الله ورسوله وكذبوا بآيات الله، لهم شراب في جهنم من حميم، وذلك شراب قد أغلي واشتد حره حتى أنه فيما ذكر عن النبي صلى الله …
أكمل القراءة في الكتاب ↗التحرير والتنوير
بالصورة التي كانت ملتئمة بها حين الموت ثم إرجاع روح كل جسد إليه بعد تصويره بما سمي بالنفخ فقال: وأن عليه النشأة الأخرى [النجم: 47] وقال: أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد ولقد خلقنا الإنسان [ق: 15، 16] الآية. أي فذلك يشبه خلق آدم من تراب الأرض وتسويته ونفخ الروح فيه وذلك بيان مقنع للمتأمل لو نصبوا أنفسهم للتأمل. وأشار بقوله: ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلى ما لا يعلمه إلا الله من العناصر والقوى الدقيقة أجزاؤها الجليلة آثارها، وتسييرها بما يشمل الأرواح التي تحل في الأجسام والقوى التي تودعها فيها. [4، 5] 4] ليجزي الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك لهم مغفرة ورزق كريم (4) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (5) لام التعليل تتعلق بفعل لتأتينكم [سبأ: 3] دون تقييد الإتيان بخصوص المخاطبين بل المراد من شملهم وغيرهم لأن جزاء الذين آمنوا لا علاقة له بالمخاطبين فكأنه قيل: لتأتين الساعة ليجزي الذين آمنوا ويجزي الذين سعوا في آياتنا معاجزين، وهم المخاطبون، وضمير «يجزي» عائد إلى عالم الغيب [سبأ: 3] . والمعنى: أن الحكمة في إيجاد الساعة للبعث والحشر هي جزاء الصالحين على صلاح اعتقادهم وأعمالهم، أي جزاء صالحا مماثلا، وجزاء المفسدين جزاء سيئا، وعلم نوع الجزاء من وصف الفريقين من أصحابه. والإتيان باسم الإشارة لكل فريق للتنبيه على أن المشار إليه جدير بما سيرد بعد اسم الإشارة من الحكم لأجل ما قبل اسم الإشارة من الأوصاف. فجملة أولئك لهم مغفرة ابتدائية معترضة بين المتعاطفين. وجملة أولئك لهم عذاب من رجز ابتدائية أيضا.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/١٤٢) ↗