سورة الأحزاب · الآية ٦٥
﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: يستخبرك الناس عن الساعة استعجالا لها، وبعضهم تكذيبا. لوقوعها، وتعجيزا للذي أخبر بها. { قل } لهم: { إنما علمها عند الله } أي: لا يعلمها إلا الله، فليس لي ولا لغيرى بها علم، ومع هذا، فلا تستبطؤوها. { وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا } ومجرد مجيء الساعة، قربا وبعدا، ليس تحته نتيجة ولا فائدة، وإنما النتيجة والخسار والربح، والشقا والسعادة، هل يستحق العبد العذاب، أو يستحق الثواب؟ فهذه سأخبركم بها، وأصف لكم مستحقها. فوصف مستحق العذاب، ووصف العذاب، لأن الوصف المذكور منطبق على هؤلاء المكذبين بالساعة، فقال: { إن الله لعن الكافرين } [أي:] الذين صار الكفر دأبهم وطريقتهم الكفر بالله وبرسله، وبما جاؤوا به من عند الله، فأبعدهم في الدنيا والآخرة من رحمته، وكفى بذلك عقابا، { وأعد لهم سعيرا } أي: نارا موقدة، تسعر في أجسامهم، ويبلغ العذاب إلى أفئدتهم، ويخلدون في ذلك العذاب الشديد، فلا يخرجون منه، ولا يفتر عنهم ساعة. ولا يجدون وليا فيعطيهم ما طلبوه { ولا نصيرا } يدفع عنهم العذاب، بل قد تخلى عنهم الولي النصير، وأحاط بهم عذاب السعير، وبلغ منهم مبلغا عظيما، ولهذا قال: { يوم تقلب وجوههم في النار } فيذوقون حرها، ويشتد عليهم أمرها، ويتحسرون على ما أسلفوا. { يقولون يليتنآ أطعنا الله وأطعنا الرسولا } فسلمنا من هذا العذاب، واستحققنا كالمطيعين جزيل الثواب. ولكن أمنية فات وقتها، فلم تفدهم إلا حسرة وندما، وهما، وغما، وألما. { وقالوا ربنآ إنآ أطعنا سادتنا وكبرآءنا } وقلدناهم على ضلالهم، { فأضلونا السبيلا }. كقوله تعالى: ويوم يعض الظالم على يديه يقول يليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جآءني الآية [الفرقان: 27-29]. ولما علموا أنهم هم وكبراءهم مستحقون للعقاب، أرادوا أن يشتفوا ممن أضلوهم، فقالوا: { ربنآ آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا } فيقول …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا} [الفرقان: 27-29] ، وقال تعالى: {ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين} [الحجر: 2] ، وهكذا أخبر عنهم في حالتهم (1) هذه أنهم يودون أن لو كانوا أطاعوا الله، وأطاعوا الرسول في الدنيا. {وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا} . وقال طاوس: سادتنا: يعني الأشراف، وكبراءنا: يعني العلماء. رواه ابن أبي حاتم. أي: اتبعنا السادة وهم الأمراء والكبراء من المشيخة، وخالفنا الرسل واعتقدنا أن عندهم شيئا، وأنهم على شيء فإذا هم ليسوا على شيء. {ربنا آتهم ضعفين من العذاب} أي: بكفرهم وإغوائهم إيانا، {والعنهم لعنا كبيرا} (2) . قرأ بعض القراء بالباء الموحدة. وقرأ آخرون بالثاء المثلثة، وهما قريبا المعنى، كما في حديث عبد الله بن عمرو: أن أبا بكر قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: "قل: اللهم، إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم". أخرجاه في الصحيحين (3) ، يروى "كبيرا" و"كثيرا"، وكلاهما بمعنى صحيح. واستحب بعضهم أن يجمع الداعي بين اللفظين في دعائه، وفي ذلك نظر، بل الأولى أن يقول هذا تارة، وهذا تارة، كما أن القارئ مخير بين القراءتين أيتهما قرأ فحسن، وليس له الجمع بينهما، والله أعلم. وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا ضرار بن صرد، حدثنا علي بن هاشم، عن [محمد بن] (4) عبيد الله بن أبي رافع، عن أبيه (5) ، في تسمية من شهد مع علي، رضي الله عنه: الحجاج بن عمرو بن غزية، وهو الذي كان يقول عند اللقاء: يا معشر الأنصار، أتريدون أن تقولوا لربنا إذا لقيناه: {ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا} ؟ (6) . قال البخاري عند تفسير (7) هذه الآية: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا روح بن عبادة، حدثنا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أبدا} [النساء: 57] يقول: ماكثين في السعير أبدا، إلى غير نهاية {لا يجدون وليا} [الأحزاب: 65] يتولاهم، فيستنقذهم من السعير التي أصلاهموها الله {ولا نصيرا} [النساء: 89] ينصرهم، فينجيهم من عقاب الله إياهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/١٨٨) ↗التحرير والتنوير
قريبا في مثل هذه الآية ليس خبرا عن فعل الكون ولكنه ظرف له وهم يعنون أن فعل الكون تام وأن قريبا ظرف زمان لوقوعه. والتقدير: تقع في زمان قريب، فيلزم لفظ (قريب) الإفراد والتذكير على نية زمان أو وقت، وقد يكون ظرف مكان كما ورد في ضده وهو لفظ (بعيد) في قوله: وإن تمس ابنة السهمي منا ... بعيدا لا تكلمنا كلاما وقد أشار إلى جواز الوجهين في «الكشاف» . وهذان الوجهان وإن تأتيا هنا لا يتأتيان في نحو قوله تعالى: إن رحمت الله قريب من المحسنين [الأعراف: 56] . ويقترن (قريب) و (بعيد) بعلامة التأنيث ونحوها من العلامات الفرعية عند إرادة التوصيف. وكل هذه اعتبارات من توسعهم في الكلام. وتقدم قوله تعالى: إن رحمت الله قريب من المحسنين في الأعراف فضمه إلى ما هنا. [64، 65] إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (64) خالدين فيها أبدا لا يجدون وليا ولا نصيرا (65) هذا حظ الكافرين من وعيد الساعة، وهذه لعنة الآخرة قفيت بها لعنة الدنيا في قوله: ملعونين [الأحزاب: 61] ، ولذلك عطف عليها وأعد لهم سعيرا فكانت لعنة الدنيا مقترنة بالأخذ والتقتيل ولعنة الآخرة مقترنة بالسعير. والجملة مستأنفة استئنافا بيانيا لأن جملة ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلا إلى قوله: ولن تجد لسنة الله تبديلا [الأحزاب: 60- 62] تثير في نفوس السامعين التساؤل عن الاقتصار على لعنهم وتقتيلهم في الدنيا، وهل ذلك منتهى ما عوقبوا به أو لهم من ورائه عذاب؟ فكان قوله: إن الله لعن الكافرين إلخ جوابا عن ذلك. وحرف التوكيد للاهتمام بالخبر أو منظور به إلى السامعين من الكافرين. والتعريف في الكافرين يحتمل أن يكون للعهد، أي الكافرين الذين كانوا شاقوا الرسول صلى الله عليه وسلم وآذوه وأرجفوا في المدينة وهم المنافقون ومن ناصرهم من
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/١١٤) ↗