سورة الأحزاب · الآية ٤٣
﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ ۚ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يأمر تعالى المؤمنين بذكره ذكرا كثيرا، من تهليل وتحميد وتسبيح وتكبير وغير ذلك، من كل قول فيه قربة إلى الله، وأقل ذلك، أن يلازم الإنسان أوراد الصباح، والمساء، وأدبار الصلوات الخمس، وعند العوارض والأسباب. وينبغي مداومة ذلك في جميع الأوقات، على جميع الأحوال، فإن ذلك عبادة يسبق بها العامل وهو مستريح، وداع إلى محبة الله ومعرفته، وعون على الخير، وكف اللسان عن الكلام القبيح. { وسبحوه بكرة وأصيلا } أي: أول النهار وآخره، لفضلها وشرفها، وسهولة العمل فيها. أي: من رحمته بالمؤمنين ولطفه بهم، أن جعل من صلاته عليهم وثنائه، وصلاة ملائكته ودعائهم، ما يخرجهم من ظلمات الذنوب والجهل، إلى نور الإيمان والتوفيق والعلم والعمل، فهذه أعظم نعمة أنعم بها على العباد الطائعين، تستدعي منهم شكرها، والإكثار من ذكر الله، الذي لطف بهم ورحمهم، وجعل حملة عرشه أفضل الملائكة، ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون للذين آمنوا فيقولون: ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم * ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبآئهم وأزواجهم وذرياتهم إنك أنت العزيز الحكيم * وقهم السيئات ومن تق السيئات يومئذ فقد رحمته وذلك هو الفوز العظيم [غافر: 7-9]. فهذه رحمته ونعمته عليهم في الدنيا. وأما رحمته بهم في الآخرة، فأجل رحمة، وأفضل ثواب، وهو الفوز برضا ربهم، وتحيته، واستماع كلامه الجليل، ورؤية وجهه الجميل، وحصول الأجر الكبير، الذي لا يدري ولا يعرف كنهه، إلا من أعطاهم إياه، ولهذا قال: { تحيتهم يوم يلقونه سلام وأعد لهم أجرا كريما }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأحزاب ٤١–٤٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قلت: وقد تقدم هذا الحديث عند قوله تعالى: {والذاكرين الله كثيرا والذاكرات} في مسند [الإمام] (1) أحمد، من حديث زياد بن أبي زياد مولى عبد الله بن عياش: أنه بلغه عن معاذ بن جبل، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، بنحوه، فالله أعلم. وقال (2) الإمام أحمد: حدثنا وكيع، حدثنا فرج بن فضالة، عن أبي سعد الحمصي قال: سمعت أبا هريرة يقول: دعاء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا أدعه: "اللهم، اجعلني أعظم شكرك، وأتبع نصيحتك، وأكثر ذكرك، وأحفظ وصيتك". (3) ورواه الترمذي عن يحيى بن موسى، عن وكيع، عن أبي فضالة الفرج بن فضالة، عن أبي سعيد الحمصي، عن أبي هريرة، فذكر مثله وقال: غريب. (4) وهكذا رواه الإمام أحمد أيضا عن أبي النضر هاشم بن القاسم، عن فرج بن فضالة، عن أبي سعيد المدني (5) عن أبي هريرة فذكره. (6) وقال (7) الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن صالح، عن عمرو بن قيس قال: سمعت عبد الله بن بسر يقول: جاء أعرابيان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال أحدهما: يا رسول الله، أي الناس خير؟ قال: "من طال عمره وحسن عمله". وقال الآخر: يا رسول الله، إن شرائع الإسلام قد كثرت علينا (8) ، فمرني بأمر أتشبث به. قال: "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله". (9) وروى الترمذي وابن ماجه [منه] (10) الفصل الثاني، من حديث معاوية بن صالح، به. (11) وقال الترمذي: حسن غريب. وقال (12) الإمام أحمد: حدثنا سريج (13) ، حدثنا ابن وهب، عن عمرو بن الحارث قال: أن دراجا أبا السمح حدثه، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد الخدري؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "أكثروا ذكر الله حتى يقولوا: مجنون." (14) وقال الطبراني: حدثنا عبد الله بن أحمد، حدثنا عقبة بن مكرم العمي، حدثنا سعيد بن سفيان (15) الجحدري، حدثنا الحسن بن أبي جعفر، عن عقبة بن أبي ثبيت (16) الراسبي، عن أبي الجوزاء، عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ورسوله، اذكروا الله بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم ذكرا كثيرا، فلا تخلو أبدانكم من ذكره في حال من أحوال طاقتكم ذلك، {وسبحوه بكرة وأصيلا} [الأحزاب: 42] يقول: صلوا له غدوة صلاة الصبح، وعشيا صلاة العصر
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/١٢٣) ↗التحرير والتنوير
43] هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور وكان بالمؤمنين رحيما (43) تعليل للأمر بذكر الله وتسبيحه بأن ذلك مجلبة لانتفاع المؤمنين بجزاء الله على ذلك بأفضل منه من جنسه وهو صلاته وصلاة ملائكته. والمعنى: أنه يصلي عليكم وملائكته إذا ذكرتموه ذكرا بكرة وأصيلا. وتقديم المسند إليه على الخير الفعلي في قوله: هو الذي يصلي عليكم لإفادة التقوي وتحقيق الحكم. والمقصود تحقيق ما تعلق بفعل يصلي من قول ليخرجكم من الظلمات إلى النور. والصلاة: الدعاء والذكر بخير، وهي من الله الثناء. وأمره بتوجيه رحمته في الدنيا والآخرة، أي اذكروه ليذكركم كقوله: فاذكروني أذكركم [البقرة: 152] وقوله في الحديث القدسي: «فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملإ ذكرته في ملأ خير منهم» . وصلاة الملائكة: دعاؤهم للمؤمنين فيكون دعاؤهم مستجابا عند الله فيزيد الذاكرين على ما أعطاهم بصلاته تعالى عليهم. ففعل يصلي مسند إلى الله وإلى ملائكته لأن حرف العطف يفيد تشريك المعطوف والمعطوف عليه في العامل، فهو عامل واحد له معمولان فهو مستعمل في القدر المشترك الصالح لصلاة الله تعالى وصلاة الملائكة الصادق في كل بما يليق به بحسب لوازم معنى الصلاة التي تتكيف بالكيفية المناسبة لمن أسندت إليه. ولا حاجة إلى دعوى استعمال المشترك في معنييه على أنه لا مانع منه على الأصح، ولا إلى دعوى عموم المجاز. واجتلاب يصلي بصيغة المضارع لإفادة تكرر الصلاة وتجددها كلما تجدد الذكر والتسبيح، أو إفادة تجددها بحسب أسباب أخرى من أعمال المؤمنين وملاحظة إيمانهم. وفي إيراد الموصول إشارة إلى أنه تعالى معروف عندهم بمضمون الصلة بحسب غالب الاستعمال: فإما لأن المسلمين يعلمون على وجه الإجمال أنهم لا يأتيهم خير إلا من جانب الله تعالى، فكل تفصيل لذلك الإجمال دخل في علمهم، ومنه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٤٩) ↗