سورة الأحزاب · الآية ٣٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { ينسآء النبي } خطاب لهن كلهن { لستن كأحد من النسآء إن اتقيتن } الله، فإنكن بذلك تفقن النساء، ولا يلحقكن أحد من النساء، فكملن التقوى بجميع وسائلها ومقاصدها. فلهذا أرشدهن إلى قطع وسائل المحرم، فقال: { فلا تخضعن بالقول } أي: في مخاطبة الرجال، أو بحيث يسمعون فتلن في ذلك، وتتكلمن بكلام رقيق يدعو ويطمع { الذي في قلبه مرض } أي: مرض شهوة الزنا، فإنه مستعد، ينظر أدنى محرك يحركه، لأن قلبه غير صحيح، [فإن القلب الصحيح]، ليس فيه شهوة لما حرم الله، فإن ذلك لا تكاد تميله ولا تحركه الأسباب، لصحة قلبه وسلامته من المرض. بخلاف مريض القلب، الذي لا يتحمل ما يتحمل الصحيح، ولا يصبر على ما يصبر عليه، فأدنى سبب يوجد، يدعوه إلى الحرام، يجيب دعوته، ولا يتعاصى عليه، فهذا دليل على أن الوسائل لها أحكام المقاصد. فإن الخضوع بالقول واللين فيه، في الأصل مباح، ولكن لما كان وسيلة إلى المحرم، منع منه، ولهذا ينبغي للمرأة في مخاطبة الرجال، أن لا تلين لهم القول. ولما نهاهن عن الخضوع في القول، فربما توهم أنهن مأمورات بإغلاظ القول، دفع هذا بقوله: { وقلن قولا معروفا } أي: غير غليظ ولا جاف، كما أنه ليس بلين خاضع. وتأمل كيف قال: { فلا تخضعن بالقول } ولم يقل: " فلا تلن بالقول " وذلك لأن المنهي عنه القول اللين، الذي فيه خضوع المرأة للرجل، وانكسارها عنده، والخاضع هو الذي يطمع فيه، بخلاف من تكلم كلاما لينا ليس فيه خضوع، بل ربما صار فيه ترفع وقهر للخصم، فإن هذا لا يطمع فيه خصمه، ولهذا مدح الله رسوله باللين، فقال: فبما رحمة من الله لنت لهم [آل عمران: 159] وقال لموسى وهارون: اذهبآ إلى فرعون إنه طغى* فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى [طه: 43-44]. ودل قوله: { فيطمع الذي في قلبه مرض } مع أمره بحفظ الفرج وثنائه على الحافظين لفروجهم والحافظات، ونهيه عن قربان الزنا، أنه ينبغي للعبد إذا رأى من نفسه هذه الحالة، وأنه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
والمنزلة، ثم قال: {فلا تخضعن بالقول} . قال السدي وغيره: يعني بذلك: ترقيق الكلام إذا خاطبن الرجال؛ ولهذا قال: {فيطمع الذي في قلبه مرض} أي: دغل، {وقلن قولا معروفا} : قال ابن زيد: قولا حسنا جميلا معروفا في الخير. ومعنى هذا: أنها تخاطب الأجانب بكلام ليس فيه ترخيم، أي: لا تخاطب المرأة الأجانب كما تخاطب زوجها. وقوله: {وقرن في بيوتكن} أي: الزمن بيوتكن فلا (1) تخرجن لغير حاجة. ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تمنعوا إماء الله مساجد الله، وليخرجن وهن تفلات" وفي رواية: "وبيوتهن خير لهن" (2) وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا حميد بن مسعدة (3) حدثنا أبو رجاء الكلبي، روح بن المسيب ثقة، حدثنا ثابت البناني (4) عن أنس، رضي الله عنه، قال: جئن النساء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلن: يا رسول الله، ذهب الرجال بالفضل والجهاد في سبيل الله تعالى، فما لنا عمل ندرك به عمل المجاهدين في سبيل الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قعد -أو كلمة نحوها -منكن في بيتها فإنها تدرك عمل المجاهدين (5) في سبيل الله". ثم قال: لا نعلم رواه عن ثابت إلا روح بن المسيب، وهو رجل من أهل البصرة مشهور (6) . وقال (7) البزار أيضا: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا عمرو بن عاصم، حدثنا همام، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون (8) بروحة ربها وهي في قعر بيتها". ورواه الترمذي، عن بندار، عن عمرو بن عاصم، به نحوه (9) وروى البزار بإسناده المتقدم، وأبو داود أيضا، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلاة المرأة في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها، وصلاتها في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها" (10) وهذا إسناد (11) جيد.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٤٠٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
البيت ويطهركم تطهيرا} [الأحزاب: 33] يقول تعالى ذكره لأزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم: {يا نساء النبي لستن كأحد من النساء} [الأحزاب: 32] من نساء هذه الأمة {إن اتقيتن} [الأحزاب: 32] الله فأطعتنه فيما أمركن ونهاكن
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٩/٩٤) ↗التحرير والتنوير
من خصائص أزواج النبيء صلى الله عليه وسلم لعظم قدرهن، لأن زيادة قبح المعصية تتبع زيادة فضل الآتي بها. ودرجة أزواج النبيء صلى الله عليه وسلم عظيمة. وقرأ الجمهور: وتعمل بالتاء الفوقية على اعتبار معنى من الموصولة المراد بها إحدى النساء وحسنه أنه معطوف على فعل يقنت بعد أن تعلق به الضمير المجرور وهو ضمير نسوة. وقرأ حمزة والكسائي وخلف ويعمل بالتحتية مراعاة لمدلول من في أصل الوضع. وقرأ الجمهور نؤتها بنون العظمة. وقرأه حمزة والكسائي وخلف بالتحتية على اعتبار ضمير الغائب عائدا إلى اسم الجلالة من قوله قبله وكان ذلك على الله يسيرا [الأحزاب: 30] . والقول في أعتدنا لها كالقول في فإن الله أعد للمحسنات [الأحزاب: 29] . والتاء في أعتدنا بدل عن أحد الدالين من (أعد) لقرب مخرجيها وقصد التخفيف. والعدول عن المضارع إلى فعل الماضي في قوله: أعتدنا لإفادة تحقيق وقوعه. والرزق الكريم: هو رزق الجنة قال تعالى: كلما رزقوا منها من ثمرة رزقا [البقرة: 25] الآية. ووصفه بالكريم لأنه أفضل جنسه. وقد تقدم في قوله تعالى: إني ألقي إلي كتاب كريم في سورة النمل [29] . [32] 32] يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض وقلن قولا معروفا (32) يا نساء النبي لستن كأحد من النساء إن اتقيتن. أعيد خطابهن من جانب ربهن وأعيد نداؤهن للاهتمام بهذا الخبر اهتماما يخصه. وأحد: اسم بمعنى واحد مثل: قل هو الله أحد [الإخلاص: 1] وهمزته بدل من الواو. وأصله: وحد بوزن فعل، أي متوحد، كما قالوا: فرد بمعنى منفرد. قال النابغة يذكر ركوبه راحلته: كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... يوم الجليل على مستأنس وحد يريد على ثور وحشي منفرد. فلما ثقل الابتداء بالواو شاع أن يقولوا: أحد،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٢/٦) ↗