سورة السجدة · الآية ٢٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: لا أحد أظلم وأزيد تعديا، ممن ذكر بآيات ربه، التي أوصلها إليه ربه، الذي يريد تربيته، وتكميل نعمته على أيدي رسله، تأمره وتذكره مصالحه الدينية والدنيوية، وتنهاه عن مضاره الدينية والدنيوية، التي تقتضي أن يقابلها بالإيمان والتسليم، والانقياد والشكر، فقابلها هذا الظالم بضد ما ينبغي، فلم يؤمن بها ولا اتبعها، بل أعرض عنها وتركها وراء ظهره، فهذا من أكبر المجرمين، الذين يستحقون شديد النقمة، ولهذا قال: { عنهآ إنا من المجرمين منتقمون }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: السجدة ٢٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
عنها، ولم يصغ (1) لها، ولا ألقى إليها بالا {ونسي ما قدمت يداه} أي: من الأعمال السيئة والأفعال القبيحة. {إنا جعلنا على قلوبهم} أي: قلوب هؤلاء {أكنة} أي: أغطية وغشاوة، {أن يفقهوه} أي: لئلا يفهموا (2) هذا القرآن والبيان، {وفي آذانهم وقرا} أي: صمم معنوي عن الرشاد، {وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا} . وقوله: {وربك الغفور ذو الرحمة} أي: ربك (3) -يا محمد-غفور ذو رحمة واسعة، {لو يؤاخذهم بما كسبوا لعجل لهم العذاب} ، كما قال: {ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة} [فاطر:45] ، وقال: {وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب} [الرعد:6] . والآيات في هذا كثيرة. ثم أخبر أنه يحلم ويستر ويغفر، وربما هدى بعضهم من الغي إلى الرشاد، ومن استمر منهم فله يوم يشيب فيه الوليد، وتضع كل ذات حمل حملها؛ ولهذا قال: {بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا} أي: ليس لهم عنه محيد ولا محيص ولا معدل. وقوله: {وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا} أي: الأمم السالفة والقرون الخالية أهلكناهم بسبب كفرهم وعنادهم {وجعلنا لمهلكهم موعدا} أي: جعلناه إلى مدة معلومة ووقت [معلوم] (4) معين، لا يزيد ولا ينقص، أي: وكذلك أنتم أيها المشركون، احذروا أن يصيبكم ما أصابهم، فقد كذبتم أشرف رسول (5) وأعظم نبي، ولستم بأعز علينا منهم، فخافوا عذابي ونذر. سبب قول موسى [عليه السلام] (1) لفتاه -وهو يشوع بن نون-هذا الكلام: أنه ذكر له أن عبدا من عباد الله بمجمع البحرين، عنده من العلم ما لم يحط به موسى، فأحب الذهاب إليه، وقال لفتاه ذلك: {لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين} أي لا أزال سائرا حتى أبلغ هذا المكان الذي فيه مجمع البحرين، قال الفرزدق:
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/١٧٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وحججه، فدله بها على سبيل الرشاد، وهداه بها إلى طريق النجاة، فأعرض عن آياته وأدلته التي في استدلاله بها الوصول إلى الخلاص من الهلاك {ونسي ما قدمت يداه} [الكهف: 57] يقول: ونسي ما أسلف من الذنوب المهلكة فلم يتب، ولم ينب، كما: حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {ونسي ما قدمت يداه} [الكهف: 57] أي نسي ما سلف من الذنوب
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٣٠٣) ↗التحرير والتنوير
فتعين أن العذاب الأدنى عذاب الدنيا. والمقصود من هذا: التعريض بتهديدهم لأنهم يسمعون هذا الكلام أو يبلغ إليهم. وهذا إنذار بما لحقهم بعد نزول الآية وهو ما محنوا به من الجوع والخوف وكانوا في أمن منهما وما يصيبهم يوم بدر من القتل والأسر ويوم الفتح من الذل. وجملة لعلهم يرجعون استئناف بياني لحكمة إذاقتهم العذاب الأدنى في الدنيا بأنه لرجاء رجوعهم، أي رجوعهم عن الكفر بالإيمان. والمراد: رجوع من يمكن رجوعه وهم الأحياء منهم. وإسناد الرجوع إلى ضمير جميعهم باعتبار القبيلة والجماعة، أي لعل جماعتهم ترجع. وكذلك كان فقد آمن كثير من الناس بعد يوم بدر وبخاصة بعد فتح مكة، فصار من تحقق فيهم الرجوع المرجو مخصوصين من عموم الذين فسقوا في قوله تعالى: وأما الذين فسقوا فمأواهم النار كلما أرادوا أن يخرجوا منها الآية [السجدة: 20] ، فبقي ذلك الوعيد للذين ماتوا على الشرك، وهي مسألة الموافاة عند الأشعري. [22] 22] ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (22) عطف على جملة إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها [السجدة: 15] إلى آخرها حيث اقتضت أن الذين قالوا: أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد [السجدة: 10] ليسوا كأولئك فانتقل إلى الإخبار عنهم بأنهم أشد الناس ظلما لأنهم يذكرون بآيات الله حين يتلى عليهم القرآن فيعرضون عن تدبرها ويلغون فيها، فآيات الله مراد بها القرآن. وجيء في عطف جملة أعرض بحرف ثم لقصد الدلالة على تراخي رتبة الإعراض عن الآيات بعد التذكير بها تراخي استبعاد وتعجيب من حالهم كقول جعفر بن علبة الحارثي: لا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٣٣) ↗