سورة السجدة · الآية ١٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى الكافرين بآياته، وما أعد لهم من العذاب، ذكر المؤمنين بها، ووصفهم، وما أعد لهم من الثواب، فقال: { إنما يؤمن بآياتنا } [أي] إيمانا حقيقيا، من يوجد منه شواهد الإيمان، وهم: { الذين إذا ذكروا } بآيات ربهم فتليت عليهم آيات القرآن، وأتتهم النصائح على أيدي رسل الله، ودعوا إلى التذكر، سمعوها فقبلوها، وانقادوا، و { خروا سجدا } أي: خاضعين لها، خضوع ذكر لله، وفرح بمعرفته. { وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون } لا بقلوبهم، ولا بأبدانهم، فيمتنعون من الانقياد لها، بل متواضعون لها، قد تلقوها بالقبول، والتسليم وقابلوها بالانشراح والتسليم، وتوصلوا بها إلى مرضاة الرب الرحيم، واهتدوا بها إلى الصراط المستقيم. { تتجافى جنوبهم عن المضاجع } أي: ترتفع جنوبهم، وتنزعج عن مضاجعها اللذيذة، إلى ما هو ألذ عندهم منه وأحب إليهم، وهو الصلاة في الليل، ومناجاة الله تعالى. ولهذا قال: { يدعون ربهم } أي: في جلب مصالحهم الدينية والدنيوية، ودفع مضارهما. { خوفا وطمعا } أي: جامعين بين الوصفين، خوفا أن ترد أعمالهم، وطمعا في قبولها، خوفا من عذاب الله، وطمعا في ثوابه. { ومما رزقناهم } من الرزق، قليلا كان أو كثيرا { ينفقون } ولم يذكر قيد النفقة، ولا المنفق عليه، ليدل على العموم، فإنه يدخل فيه، النفقة الواجبة، كالزكوات، والكفارات، ونفقة الزوجات والأقارب، والنفقة المستحبة في وجوه الخير، والنفقة والإحسان المالي خير مطلقا، سواء وافق غنيا أو فقيرا، قريبا أو بعيدا، ولكن الأجر يتفاوت بتفاوت النفع، فهذا عملهم. وأما جزاؤهم، فقال: { فلا تعلم نفس } يدخل فيه جميع نفوس الخلق، لكونها نكرة في سياق النفي. أي: فلا يعلم أحد { مآ أخفي لهم من قرة أعين } من الخير الكثير، والنعيم الغزير، والفرح والسرور، واللذة والحبور، كما قال تعالى على لسان رسوله: " أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر ". فكما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى: {إنما يؤمن بآياتنا} أي: إنما يصدق بها {الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا} أي: استمعوا لها وأطاعوها قولا وفعلا {وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون} [أي] (1) عن اتباعها والانقياد لها، كما يفعله الجهلة من الكفرة الفجرة، [وقد] (2) قال الله تعالى: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين} [غافر:60] . ثم قال [تعالى: {تتجافى جنوبهم عن المضاجع} يعني بذلك: قيام الليل، وترك النوم والاضطجاع على الفرش الوطيئة. قال مجاهد والحسن في قوله تعالى] (3) : {تتجافى جنوبهم} يعني بذلك: قيام الليل. وعن أنس، وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، وأبي حازم، وقتادة: هو الصلاة بين العشاءين. وعن أنس أيضا: هو انتظار صلاة العتمة. رواه ابن جرير بإسناد جيد. (4) وقال الضحاك: هو صلاة العشاء في جماعة، وصلاة الغداة في جماعة. {يدعون ربهم خوفا وطمعا} أي: خوفا من وبال عقابه، وطمعا في جزيل ثوابه، {ومما رزقناهم ينفقون} ، فيجمعون بين فعل القربات اللازمة والمتعدية، ومقدم هؤلاء وسيدهم وفخرهم في الدنيا والآخرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما قال عبد الله بن رواحة، رضي الله عنه: وفينا رسول الله يتلو كتابه %~% إذا انشق معروف من الصبح ساطع [أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا %~% به موقنات أن ما قال واقع] (5) يبيت يجافي جنبه عن فراشه %~% إذا استثقلت بالمشركين المضاجع وقال الإمام أحمد: حدثنا روح وعفان قالا حدثنا حماد بن سلمة، أخبرنا عطاء بن السائب، عن مرة الهمداني، عن ابن مسعود (6) ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "عجب ربنا من رجلين: رجل ثار من وطائه ولحافه، ومن بين أهله وحيه (7) إلى صلاته، [فيقول ربنا: أيا ملائكتي، انظروا إلى عبدي، ثار من فراشه ووطائه، ومن بين حيه وأهله إلى صلاته] (8) رغبة فيما عندي، وشفقة مما عندي. ورجل غزا في سبيل الله، عز وجل، فانهزموا، فعلم ما عليه من الفرار، وما له في
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٣٦٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عفوه عنهم، وتفضله عليهم برحمته ومغفرته {ومما رزقناهم ينفقون} [البقرة: 3] في سبيل الله، ويؤدون منه حقوق الله التي أوجبها عليهم فيه. و {تتجافى} [السجدة: 16] : تتفاعل من الجفاء؛ والجفاء: النبو، كما قال الراجز: [البحر الرجز]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٦٠٨) ↗التحرير والتنوير
17] إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون (15) تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون (16) فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون (17) استئناف ناشىء عن قوله أم يقولون افتراه الآية [السجدة: 3] ، تفرغ المقام له بعد أن أنحى بالتقريع والوعيد للكافرين على كفرهم بلقاء الله، بما أفادت اسمية جملة بل هم بلقاء ربهم كافرون [السجدة: 10] من أنهم ثابتون على الكفر بلقاء الله دائمون عليه، وهو مما أنذرتهم به آيات القرآن، فالتكذيب بلقاء الله تكذيب بما جاء به القرآن فهم لا يؤمنون، وإنما يؤمن بآيات الله الذين ذكرت أوصافهم هنا. والمراد بالآيات هنا آيات القرآن بقرينة قوله الذين إذا ذكروا بها بتشديد الكاف، أي أعيد ذكرها عليهم وتكررت تلاوتها على مسامعهم. ومفاد إنما قصر إضافي، أي يؤمن بآيات الله الذين إذا ذكروا بها تذكيرا بما سبق لهم سماعه لم يتريثوا عن إظهار الخضوع لله دون الذين قالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد [السجدة: 10] ، وهذا تأييس للنبيء صلى الله عليه وسلم من إيمانهم، وتعريض بهم بأنهم لا ينفعون المسلمين بإيمانهم ولا يغيظونهم بالتصلب في الكفر. وأوثرت صيغة المضارع في إنما يؤمن لما تشعر به من أنهم يتجددون في الإيمان ويزدادون يقينا وقتا فوقتا، كما تقدم في قوله تعالى: الله يستهزئ بهم في سورة البقرة [15] ، وإلا فإن المؤمنين قد حصل إيمانهم فيما مضى ففعل المضي آثر بحكاية حالهم في الكلام المتداول لولا هذه الخصوصية، ولهذا عرفوا بالموصولية والصلة الدال معناها على أنهم راسخون في الإيمان، فعبر عن إبلاغهم آيات القرآن وتلاوتها على أسماعهم بالتذكير المقتضي أن ما تتضمنه الآيات حقائق مقررة عندهم لا يفادون بها فائدة لم تكن حاصلة في نفوسهم ولكنها تكسبهم تذكيرا فإن الذكرى تنفع المؤمنين [الذاريات: 55] . وهذه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗