البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الروم · الآية ٦

﴿وَعْدَ اللَّهِ ۖ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

كانت الفرس والروم في ذلك الوقت من أقوى دول الأرض، وكان يكون بينهما من الحروب والقتال، ما يكون بين الدول المتوازنة. وكانت الفرس مشركين يعبدون النار، وكانت الروم أهل كتاب ينتسبون إلى التوراة والإنجيل، وهم أقرب إلى المسلمين من الفرس، فكان المؤمنون يحبون غلبتهم وظهورهم على الفرس، وكان المشركون - لاشتراكهم والفرس في الشرك - يحبون ظهور الفرس على الروم. فظهر الفرس على الروم، فغلبوهم غلبا لم يحط بملكهم، بل بأدنى أرضهم، ففرح بذلك مشركو مكة، وحزن المسلمون، فأخبرهم الله ووعدهم أن الروم ستغلب الفرس. { في بضع سنين } تسع، أو ثمان، ونحو ذلك، مما لا يزيد على العشر، ولا ينقص عن الثلاث، وأن غلبة الفرس للروم، ثم غلبة الروم للفرس، كل ذلك بمشيئته وقدره، ولهذا قال: { لله الأمر من قبل ومن بعد } فليس الغلبة والنصر لمجرد وجود الأسباب، وإنما هي لا بد أن يقترن بها القضاء والقدر. { ويومئذ } أي: يوم يغلب الروم الفرس ويقهرونهم { يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشآء } أي: يفرحون بانتصارهم على الفرس، وإن كان الجميع كفارا، ولكن بعض الشر أهون من بعض، ويحزن يومئذ المشركون. { وهو العزيز } الذي له العزة التي قهر بها الخلائق أجمعين، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء. { الرحيم } بعباده المؤمنين، حيث قيض لهم من الأسباب التي تسعدهم وتنصرهم، ما لا يدخل في الحساب. { وعد الله لا يخلف الله وعده } فتيقنوا ذلك، واجزموا به، واعلموا أنه لا بد من وقوعه. فلما نزلت هذه الآيات، التي فيها هذا الوعد، صدق بها المسلمون، وكفر بها المشركون، حتى تراهن بعض المسلمين وبعض المشركين على مدة سنين عينوها، فلما جاء الأجل، الذي ضربه الله، انتصر الروم على الفرس، وأجلوهم من بلادهم التي أخذوها منهم، وتحقق وعد الله. وهذا من الأمور الغيبية التي أخبر بها الله قبل وقوعها، ووجدت في زمان من أخبرهم الله بها، من …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… نزلت: {الم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين} قالوا: يا أبا بكر، إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين؟! قال: صدق. قالوا: هل لك إلى أن نقامرك، فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين، فمضت السبع ولم يكن شيء، ففرح المشركون بذلك وشق على المسلمين، فذكر (7) ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بضع سنين عندكم"؟ قالوا: دون العشر. قال: "اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل". قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك، وأنزل الله: {الم. غلبت الروم} إلى قوله: { [وعد الله] لا يخلف الله وعده} (8) (9) . حديث آخر: قال (10) ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عمر الوكيعي، حدثنا مؤمل، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت: {الم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} ، قال المشركون لأبي بكر: ألا ترى إلى ما يقول صاحبك؟ يزعم أن الروم تغلب فارس. قال: صدق صاحبي. قالوا: هل لك أن نخاطرك؟ فجعل بينه وبينهم أجلا فحل الأجل قبل أن تغلب الروم فارس، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فساءه ذلك وكرهه، وقال لأبي بكر: "ما دعاك إلى هذا؟ " قال: تصديقا لله ولرسوله. فقال: "تعرض لهم وأعظم الخطر واجعله إلى بضع سنين". فأتاهم أبو بكر فقال لهم: هل لكم في العود، فإن العود أحمد؟ قالوا:

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٩٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

سيغلبون، فكأنه قال: وعد الله ذلك المؤمنين وعدا

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٦٠) ↗

التحرير والتنوير

يعلمها، فالمشيئة هي الإرادة، أي: ينصر من يريد نصره، وإرادته تعالى لا يسأل عنها، ولذلك عقب بقوله وهو العزيز فإن العزيز المطلق هو الذي يغلب كل مغالب له، وعقبه ب الرحيم للإشارة إلى أن عزته تعالى لا تخلو من رحمة بعباده ولولا رحمته لما أدال للمغلوب دولة على غالبه مع أنه تعالى هو الذي أراد غلبة الغالب الأول، فكان الأمر الأول بعزته والأمر الثاني برحمته للمغلوب المنكوب وترتيب الصفتين العليتين منظور فيه لمقابلة كل صفة منهما بالذي يناسب ذكره من الغالبين، فالمراد رحمته في الدنيا. [6- 7] وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (6) يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (7) انتصب وعد الله على المفعولية المطلقة. وهذا من المفعول المطلق المؤكد لمعنى جملة قبله هي بمعناه ويسميه النحويون مصدرا مؤكدا لنفسه تسمية غريبة يريدون بنفسه معناه دون لفظه. ومثله في «الكشاف» ومثلوه بنحو «لك علي ألف عرفا» لأن عرفا بمعنى اعترافا، أكد مضمون جملة: لك علي ألف، وكذلك وعد الله أكد مضمون جملة وهم من بعد غلبهم سيغلبون في بضع سنين [الروم: 3، 4] . وإضافة الوعد إلى الله تلويح بأنه وعد محقق الإيفاء لأن وعد الصادق القادر الغني لا موجب لإخلافه. وجملة لا يخلف الله وعده بيان للمقصود من جملة وعد الله فإنها دلت على أنه وعد محقق بطريق التلويح، فبين ذلك بالصريح بجملة لا يخلف الله وعده. ولكونها في موقع البيان فصلت ولم تعطف، وفائدة الإجمال ثم التفصيل تقرير الحكم لتأكيده، ولما في جملة لا يخلف الله وعده من إدخال الروع على المشركين بهذا التأكيد. وسماه وعدا نظرا لحال المؤمنين الذي هو أهم هنا. وهو أيضا وعيد للمشركين بخذلان أشياعهم ومن يفتخرون بمماثلة دينهم. وموقع الاستدراك في قوله ولكن أكثر الناس لا يعلمون هو ما اقتضاه

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٤٨) ↗