سورة الروم · الآية ٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
كانت الفرس والروم في ذلك الوقت من أقوى دول الأرض، وكان يكون بينهما من الحروب والقتال، ما يكون بين الدول المتوازنة. وكانت الفرس مشركين يعبدون النار، وكانت الروم أهل كتاب ينتسبون إلى التوراة والإنجيل، وهم أقرب إلى المسلمين من الفرس، فكان المؤمنون يحبون غلبتهم وظهورهم على الفرس، وكان المشركون - لاشتراكهم والفرس في الشرك - يحبون ظهور الفرس على الروم. فظهر الفرس على الروم، فغلبوهم غلبا لم يحط بملكهم، بل بأدنى أرضهم، ففرح بذلك مشركو مكة، وحزن المسلمون، فأخبرهم الله ووعدهم أن الروم ستغلب الفرس. { في بضع سنين } تسع، أو ثمان، ونحو ذلك، مما لا يزيد على العشر، ولا ينقص عن الثلاث، وأن غلبة الفرس للروم، ثم غلبة الروم للفرس، كل ذلك بمشيئته وقدره، ولهذا قال: { لله الأمر من قبل ومن بعد } فليس الغلبة والنصر لمجرد وجود الأسباب، وإنما هي لا بد أن يقترن بها القضاء والقدر. { ويومئذ } أي: يوم يغلب الروم الفرس ويقهرونهم { يفرح المؤمنون * بنصر الله ينصر من يشآء } أي: يفرحون بانتصارهم على الفرس، وإن كان الجميع كفارا، ولكن بعض الشر أهون من بعض، ويحزن يومئذ المشركون. { وهو العزيز } الذي له العزة التي قهر بها الخلائق أجمعين، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء. { الرحيم } بعباده المؤمنين، حيث قيض لهم من الأسباب التي تسعدهم وتنصرهم، ما لا يدخل في الحساب. { وعد الله لا يخلف الله وعده } فتيقنوا ذلك، واجزموا به، واعلموا أنه لا بد من وقوعه. فلما نزلت هذه الآيات، التي فيها هذا الوعد، صدق بها المسلمون، وكفر بها المشركون، حتى تراهن بعض المسلمين وبعض المشركين على مدة سنين عينوها، فلما جاء الأجل، الذي ضربه الله، انتصر الروم على الفرس، وأجلوهم من بلادهم التي أخذوها منهم، وتحقق وعد الله. وهذا من الأمور الغيبية التي أخبر بها الله قبل وقوعها، ووجدت في زمان من أخبرهم الله بها، من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ورواه ابن أبي حاتم، عن محمد بن إسحاق الصاغاني (1) ، عن معاوية بن عمرو، به. ورواه ابن جرير: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن سعيد -أو سعيد (2) الثعلبي الذي يقال له: أبو سعد من أهل طرسوس -حدثنا أبو إسحاق الفزاري، فذكره. وعندهم: قال سفيان: فبلغني أنهم غلبوا يوم بدر (3) . حديث آخر: قال سليمان بن مهران الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، قال: قال عبد الله: خمس قد مضين: الدخان، واللزام، والبطشة، والقمر، والروم. أخرجاه (4) (5) . وقال ابن جرير: حدثنا ابن وكيع، حدثنا المحاربي، عن داود بن أبي هند، عن عامر -هو الشعبي -عن عبد الله -هو (6) ابن مسعود رضي الله عنه -قال: كان فارس ظاهرا على الروم، وكان المشركون يحبون أن تظهر فارس على الروم. وك ان المسلمون يحبون أن تظهر الروم على فارس؛ لأنهم أهل كتاب وهم أقرب إلى دينهم، فلما نزلت: {الم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون. في بضع سنين} قالوا: يا أبا بكر، إن صاحبك يقول: إن الروم تظهر على فارس في بضع سنين؟! قال: صدق. قالوا: هل لك إلى أن نقامرك، فبايعوه على أربع قلائص إلى سبع سنين، فمضت السبع ولم يكن شيء، ففرح المشركون بذلك وشق على المسلمين، فذكر (7) ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: "ما بضع سنين عندكم"؟ قالوا: دون العشر. قال: "اذهب فزايدهم وازدد سنتين في الأجل". قال: فما مضت السنتان حتى جاءت الركبان بظهور الروم على فارس، ففرح المؤمنون بذلك، وأنزل الله: {الم. غلبت الروم} إلى قوله: { [وعد الله] لا يخلف الله وعده} (8) (9) . حديث آخر: قال (10) ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا أحمد بن عمر الوكيعي، حدثنا مؤمل، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لما نزلت: {الم. غلبت الروم. في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون} ، قال المشركون لأبي بكر: ألا ترى إلى ما يقول صاحبك؟ يزعم أن الروم تغلب فارس. قال: صدق صاحبي. قالوا: هل لك أن نخاطرك؟ …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذكره: {الم} [البقرة: 1] فقال بعضهم: هو اسم من أسماء القرآن.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٤٦) ↗التحرير والتنوير
ثم تطرق من ذلك إلى تجهيل المشركين بأنهم لا تغوص أفهامهم في الاعتبار بالأحداث ولا في أسباب نهوض وانحدار الأمم من الجانب الرباني، ومن ذلك إهمالهم النظر في الحياة الثانية ولم يتعظوا بهلاك الأمم السالفة المماثلة لهم في الإشراك بالله، وانتقل من ذلك إلى ذكر البعث. واستدل لذلك ولوحدانيته تعالى بدلائل من آيات الله في تكوين نظام العالم ونظام حياة الإنسان. ثم حض النبيء صلى الله عليه وسلم والمسلمين على التمسك بهذا الدين وأثنى عليه. ونظر بين الفضائل التي يدعو إليها الإسلام وبين حال المشركين ورذائلهم، وضرب أمثالا لإحياء مختلف الأموات بعد زوال الحياة عنها ولإحياء الأمم بعد يأس الناس منها، وأمثالا لحدوث القوة بعد الضعف وبعكس ذلك. وختم ذلك بالعود إلى إثبات البعث ثم بتثبيت النبيء صلى الله عليه وسلم ووعده بالنصر. ومن أعظم ما اشتملت عليه التصريح بأن الإسلام دين فطر الله الناس عليه وأن من ابتغى غيره دينا فقد حاول تبديل ما خلق الله وأنى له ذلك. [1] بسم الله الرحمن الرحيم الم (1) تقدم القول على نظيره في سور كثيرة وخاصة في سورة العنكبوت، وأن هذه السورة إحدى ثلاث سور مما افتتح بحروف التهجي المقطعة غير معقبة بما يشير إلى القرآن، وتقدم في أول سورة مريم. [2- 5] 5] غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون (4) بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم (5) غلبت الروم (2) في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون (3) في بضع سنين. قوله غلبت الروم خبر مستعمل في لازم فائدته على طريق الكناية، أي نحن نعلم بأن الروم غلبت، فلا يهنكم ذلك ولا تطاولوا به على رسولنا وأوليائنا فإنا
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٤١) ↗