سورة آل عمران · الآية ٩٥
﴿قُلْ صَدَقَ اللَّهُ ۗ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا رد على اليهود بزعمهم الباطل أن النسخ غير جائز، فكفروا بعيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم، لأنهما قد أتيا بما يخالف بعض أحكام التوراة بالتحليل والتحريم فمن تمام الإنصاف في المجادلة إلزامهم بما في كتابهم التوراة من أن جميع أنواع الأطعمة محللة لبني إسرائيل { إلا ما حرم إسرائيل } وهو يعقوب عليه السلام { على نفسه } أي: من غير تحريم من الله تعالى، بل حرمه على نفسه لما أصابه عرق النسا نذر لئن شفاه الله تعالى ليحرمن أحب الأطعمة عليه، فحرم فيما يذكرون لحوم الإبل وألبانها وتبعه بنوه على ذلك وكان ذلك قبل نزول التوراة، ثم نزل في التوراة أشياء من المحرمات غير ما حرم إسرائيل مما كان حلالا لهم طيبا، كما قال تعالى فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم [النساء: 160] وأمر الله رسوله إن أنكروا ذلك أن يأمرهم بإحضار التوراة، فاستمروا بعد هذا على الظلم والعناد، فلهذا قال تعالى { فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون } وأي ظلم أعظم من ظلم من يدعى إلى تحكيم كتابه فيمتنع من ذلك عنادا وتكبرا وتجبرا، وهذا من أعظم الأدلة على صحة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وقيام الآيات البينات المتنوعات على صدقه وصدق من نبأه وأخبره بما أخبره به من الأمور التي لا يعلمها إلا بإخبار ربه له بها، فلهذا قال تعالى { قل صدق الله } أي: فيما أخبر به وحكم، وهذا أمر من الله لرسوله ولمن يتبعه أن يقولوا بألسنتهم: صدق الله، معتقدين بذلك في قلوبهم عن أدلة يقينية، مقيمين هذه الشهادة على من أنكرها، ومن هنا تعلم أن أعظم الناس تصديقا لله أعظمهم علما ويقينا بالأدلة التفصيلية السمعية والعقلية، ثم أمرهم باتباع ملة أبيهم إبراهيم عليه السلام بالتوحيد وترك الشرك الذي هو مدار السعادة، وبتركه حصول الشقاوة، وفي هذا دليل على أن اليهود وغيرهم ممن ليس على ملة إبراهيم مشركون غير موحدين، ولما أمرهم باتباع ملة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
المرأة (1) ماء الرجل كان أنثى بإذن الله ". قالوا: نعم. قال: "اللهم اشهد عليهم". وقال: "أنشدكم (2) بالذي أنزل التوراة على موسى: هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه (3) ولا ينام قلبه". قالوا: اللهم نعم. قال: "اللهم اشهد ". قالوا: وأنت الآن فحدثنا من وليك من الملائكة؟ فعندها نجامعك أو نفارقك قال: "إن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيا قط إلا وهو وليه". قالوا: فعندها (4) نفارقك، ولو كان وليك غيره لتابعناك (5) ، فعند ذلك قال الله تعالى: {قل من كان عدوا لجبريل} الآية [البقرة: 97] . ورواه أحمد أيضا، عن حسين بن محمد، عن عبد الحميد، به (6) . طريق أخرى: قال أحمد: حدثنا أبو أحمد الزبيري (7) حدثنا عبد الله بن الوليد العجلي، عن بكير (8) بن شهاب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: أقبلت يهود على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا أبا القاسم، نسألك (9) عن خمسة أشياء، فإن (10) أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: {الله على ما نقول وكيل} [يوسف: 66] . قال: "هاتوا". قالوا: أخبرنا عن علامة النبي؟ قال: "تنام عيناه ولا ينام قلبه". قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر؟ قال: "يلتقي الماءان، فإذا (11) علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة (12) آنثت. قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه، قال: "كان يشتكي عرق النسا، فلم يجد شيئا يلائمه إلا ألبان كذا وكذا -قال أحمد: قال بعضهم: يعني الإبل -فحرم لحومها". قالوا: صدقت. قالوا: أخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: "ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب بيده (13) -أو في يده-مخراق من نار يزجر به السحاب، يسوقه حيث أمره الله عز وجل". قالوا: فما هذا الصوت الذي يسمع؟ قال: "صوته". قالوا: صدقت، إنما بقيت واحدة، وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، فإنه ليس من نبي إلا له ملك يأتيه بالخبر، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: "جبريل عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وألبانها، وأن ذلك إنما كان شيئا حرمه إسرائيل على نفسه وولده بغير تحريم الله إياه عليهم في التوراة، وفي كل ما أخبر به عباده من خبر دونكم وأنتم يا معشر اليهود الكذبة في إضافتكم تحريم ذلك إلى الله عليكم في التوراة المفترية على الله الباطل في دعواكم عليه غير الحق {فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين} [آل عمران: 95] يقول: فإن كنتم أيها اليهود محقين في دعواكم أنكم على الدين الذي ارتضاه الله لأنبيائه ورسله، فاتبعوا ملة إبراهيم خليل الله، فإنكم تعلمون أنه الحق الذي ارتضاه الله من خلقه دينا، وابتعث به أنبياءه، وذلك الحنيفية يعني الاستقامة على الإسلام وشرائعه دون اليهودية والنصرانية والمشركة.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٥٨٨) ↗التحرير والتنوير
وقوله: فإن الله به عليم مراد به صريحه أي يطلع على مقدار وقعه مما رغب فيه، ومراد به الكناية عن الجزاء عليه. [93- 95] 95] كل الطعام كان حلا لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين (93) فمن افترى على الله الكذب من بعد ذلك فأولئك هم الظالمون (94) قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (95) هذا يرتبط بالآي السابقة في قوله تعالى: ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا [آل عمران: 67] وما بينهما اعتراضات وانتقالات في فنون الخطاب. وهذه حجة جزئية بعد الحجج الأصلية على أن دين اليهودية ليس من الحنيفية في شيء، فإن الحنيفية لم يكن ما حرم من الطعام بنص التوراة محرما فيها، ولذلك كان بنو إسرائيل قبل التوراة على شريعة إبراهيم، فلم يكن محرما عليهم ما حرم من الطعام إلا طعاما حرمه يعقوب على نفسه. والحجة ظاهرة ويدل لهذا الارتباط قوله في آخرها: قل صدق الله فاتبعوا ملة إبراهيم حنيفا [آل عمران: 95] . ويحتمل أن اليهود- مع ذلك- طعنوا في الإسلام، وأنه لم يكن على شريعة إبراهيم، إذ أباح للمسلمين أكل المحرمات على اليهود، جهلا منهم بتاريخ تشريعهم، أو تضليلا من أحبارهم لعامتهم، تنفيرا عن الإسلام، لأن الأمم في سذاجتهم إنما يتعلقون بالمألوفات، فيعدونها كالحقائق، ويقيمونها ميزانا للقبول والنقد، فبين لهم أن هذا مما لا يلتفت إليه عند النظر في بقية الأديان، وحسبكم أن دينا عظيما وهو دين إبراهيم، وزمرة من الأنبياء من بنيه وحفدته، لم يكونوا يحرمون ذلك.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٨) ↗