البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة آل عمران · الآية ٣٧

﴿فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا ۖ قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى باختيار من اختاره من أوليائه وأصفيائه وأحبابه، فأخبر أنه اصطفى آدم، أي: اختاره على سائر المخلوقات، فخلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له، وأسكنه جنته، وأعطاه من العلم والحلم والفضل ما فاق به سائر المخلوقات، ولهذا فضل بنيه، فقال تعالى: ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا [الإسراء: 70]. واصطفى نوحا فجعله أول رسول إلى أهل الأرض حين عبدت الأوثان، ووفقه من الصبر والاحتمال والشكر والدعوة إلى الله في جميع الأوقات ما أوجب اصطفاءه واجتباءه، وأغرق الله أهل الأرض بدعوته، ونجاه ومن معه في الفلك المشحون، وجعل ذريته هم الباقين، وترك عليه ثناء يذكر في جميع الأحيان والأزمان. واصطفى آل إبراهيم وهو إبراهيم خليل الرحمن الذي اختصه الله بخلته، وبذل نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ودعا إلى ربه ليلا ونهارا وسرا وجهارا، وجعله الله أسوة يقتدي به من بعده، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، ويدخل في آل إبراهيم جميع الأنبياء الذين بعثوا من بعده لأنهم من ذريته، وقد خصهم بأنواع الفضائل ما كانوا به صفوة على العالمين، ومنهم سيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى جمع فيه من الكمال ما تفرق في غيره، وفاق صلى الله عليه وسلم الأولين والآخرين، فكان سيد المرسلين المصطفى من ولد إبراهيم. واصطفى الله آل عمران وهو والد مريم بنت عمران، أو والد موسى بن عمران عليه السلام، فهذه البيوت التي ذكرها الله هي صفوته من العالمين، وتسلسل الصلاح والتوفيق بذرياتهم، فلهذا قال تعالى { ذرية بعضها من بعض } أي: حصل التناسب والتشابه بينهم في الخلق والأخلاق الجميلة، كما قال تعالى لما ذكر جملة من الأنبياء الداخلين في ضمن هذه البيوت الكبار ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم [الأنعام: 87] { والله …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ثم أخبر تعالى عن سيادتها وجلالتها في محل عبادتها، فقال: {كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا} قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، وإبراهيم النخعي، والضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وعطية العوفي، والسدي [والشعبي] (1) يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف. وعن مجاهد {وجد عندها رزقا} أي: علما، أو قال: صحفا فيها علم. رواه ابن أبي حاتم، والأول أصح، وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة لهذا نظائر كثيرة. فإذا رأى زكريا هذا عندها {قال يا مريم أنى لك هذا} أي: يقول من أين لك هذا؟ {قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} . وقال الحافظ أبو يعلى: حدثنا سهل بن زنجلة، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا عبد الله ابن لهيعة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام أياما لم يطعم طعاما، حتى شق ذلك عليه، فطاف في منازل أزواجه فلم يجد عند واحدة منهن شيئا، فأتى فاطمة فقال: "يا بنية، هل عندك شيء آكله، فإني جائع؟ " فقالت: لا والله بأبي أنت وأمي. فلما خرج من عندها بعثت إليها جارة لها برغيفين وقطعة لحم، فأخذته منها فوضعته في جفنة لها، وقالت: والله لأوثرن بهذا رسول الله [صلى الله عليه وسلم] (2) على نفسي ومن عندي. وكانوا جميعا محتاجين إلى شبعة طعام، فبعثت حسنا أو حسينا إلى رسول الله [صلى الله عليه وسلم] (3) فرجع إليها فقالت له: بأبي وأمي (4) قد أتى الله بشيء فخبأته لك. قال: "هلمي يا بنية" قالت: فأتيته بالجفنة. فكشفت عن الجفنة فإذا هي مملوءة خبزا ولحما، فلما نظرت إليها بهتت وعرفت أنها بركة من الله، فحمدت الله وصلت على نبيه، وقدمته إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما رآه حمد الله وقال: "من أين لك هذا يا بنية؟ " فقالت (5) يا أبت، {هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب} فحمد الله وقال: "الحمد لله الذي جعلك -يا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

إياها للكنيسة وخدمتها، وخدمة ربها بقبول حسن، والقبول: مصدر من قبلها ربها، فأخرج المصدر على غير لفظ الفعل، ولو كان على لفظه لكان: فتقبلها ربها تقبلا حسنا، وقد تفعل العرب ذلك كثيرا أن يأتوا بالمصادر على أصول الأفعال وإن اختلفت ألفاظها في الأفعال بالزيادة، وذلك كقولهم: تكلم فلان كلاما، ولو أخرج المصدر على الفعل لقيل: تكلم فلان تكلما، ومنه قوله: {وأنبتها نباتا حسنا} [آل عمران: 37] ولم يقل: إنباتا حسنا

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٣٤٤) ↗

التحرير والتنوير

» . [37] 37] فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا وكفلها زكريا كلما دخل عليها زكريا المحراب وجد عندها رزقا قال يا مريم أنى لك هذا قالت هو من عند الله إن الله يرزق من يشاء بغير حساب (37) فتقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتا حسنا. تفريع على الدعاء مؤذن بسرعة الإجابة، وضمائر النصب لمريم. ومعنى تقبلها: تقبل تحريرها لخدمة بيت المقدس، أي أقام الله مريم مقام منقطع لله تعالى، ولم يكن ذلك مشروعا من قبل. وقوله: بقبول حسن الباء فيه للتأكيد، وأصل نظم الكلام: فتقبلها قبولا حسنا، فأدخلت الباء على المفعول المطلق ليصير كالآلة للتقبل فكأنه شيء ثان، وهذا إظهار للعناية بها في هذا القبول، وقد عرف هذا القبول بوحي من الله إلى زكرياء بذلك، وأمره بأن يكفلها زكرياء أعظم أحبارهم، وأن يوحى إليه بإقامتها بعد ذلك لخدمة المسجد، ولم يكن ذلك للنساء قبلها، وكل هذا إرهاص بأنه سيكون منها رسول ناسخ لأحكام كثيرة من التوراة لأن خدمة النساء للمسجد المقدس لم تكن مشروعة. ومعنى: وأنبتها نباتا حسنا: أنشأها إنشاء صالحا، وذلك في الخلق ونزاهة الباطن، فشبه إنشاؤها وشبابها بإنبات النبات الغض على طريق الاستعارة، (ونبات) مفعول مطلق لأنبت وهو مصدر نبت وإنما أجري على أنبت للتخفيف. وكفلها زكريا. عد هذا في فضائل مريم، لأنه من جملة ما يزيد فضلها لأن أبا التربية يكسب خلقه وصلاحه مرباه. وزكرياء كاهن إسرائيلي اسمه زكرياء من بني أبيا بن باكر بن بنيامين من كهنة اليهود، جاءته النبوءة في كبره وهو ثاني من اسمه زكرياء من أنبياء بني إسرائيل وكان متزوجا امرأة من ذرية هارون اسمها (اليصابات) وكانت امرأته نسيبة مريم كما في إنجيل لوقا قيل: كانت أختها والصحيح أنها كانت خالتها، أو من قرابة أمها، ولما ولدت مريم كان أبوها قد مات فتنازع كفالتها جماعة من أحبار بني إسرائيل حرصا.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣/٢٣٥) ↗