البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة آل عمران · الآية ٣٦

﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى باختيار من اختاره من أوليائه وأصفيائه وأحبابه، فأخبر أنه اصطفى آدم، أي: اختاره على سائر المخلوقات، فخلقه بيده ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة بالسجود له، وأسكنه جنته، وأعطاه من العلم والحلم والفضل ما فاق به سائر المخلوقات، ولهذا فضل بنيه، فقال تعالى: ولقد كرمنا بني ءادم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا [الإسراء: 70]. واصطفى نوحا فجعله أول رسول إلى أهل الأرض حين عبدت الأوثان، ووفقه من الصبر والاحتمال والشكر والدعوة إلى الله في جميع الأوقات ما أوجب اصطفاءه واجتباءه، وأغرق الله أهل الأرض بدعوته، ونجاه ومن معه في الفلك المشحون، وجعل ذريته هم الباقين، وترك عليه ثناء يذكر في جميع الأحيان والأزمان. واصطفى آل إبراهيم وهو إبراهيم خليل الرحمن الذي اختصه الله بخلته، وبذل نفسه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان، ودعا إلى ربه ليلا ونهارا وسرا وجهارا، وجعله الله أسوة يقتدي به من بعده، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، ويدخل في آل إبراهيم جميع الأنبياء الذين بعثوا من بعده لأنهم من ذريته، وقد خصهم بأنواع الفضائل ما كانوا به صفوة على العالمين، ومنهم سيد ولد آدم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فإن الله تعالى جمع فيه من الكمال ما تفرق في غيره، وفاق صلى الله عليه وسلم الأولين والآخرين، فكان سيد المرسلين المصطفى من ولد إبراهيم. واصطفى الله آل عمران وهو والد مريم بنت عمران، أو والد موسى بن عمران عليه السلام، فهذه البيوت التي ذكرها الله هي صفوته من العالمين، وتسلسل الصلاح والتوفيق بذرياتهم، فلهذا قال تعالى { ذرية بعضها من بعض } أي: حصل التناسب والتشابه بينهم في الخلق والأخلاق الجميلة، كما قال تعالى لما ذكر جملة من الأنبياء الداخلين في ضمن هذه البيوت الكبار ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلى صراط مستقيم [الأنعام: 87] { والله …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

قبلنا، وقد حكي مقررا، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: "ولد لي الليلة ولد سميته باسم أبي إبراهيم". أخرجاه (1) وكذلك ثبت فيهما أن أنس بن مالك ذهب بأخيه، حين ولدته أمه، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحنكه وسماه عبد الله (2) وفي صحيح البخاري: أن رجلا قال: يا رسول الله، ولد لي ولد، فما أسميه؟ قال: "اسم ولدك (3) عبد الرحمن" (4) وثبت في الصحيح أيضا: أنه لما جاءه أبو أسيد بابنه ليحنكه، فذهل عنه، فأمر به أبوه فرده إلى منزلهم، فلما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم في المجلس سماه المنذر (5) . فأما حديث قتادة، عن الحسن البصري، عن سمرة بن جندب؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "كل غلام رهين (6) بعقيقته، يذبح عنه يوم سابعه، ويسمى ويحلق رأسه" فقد رواه أحمد وأهل السنن، وصححه الترمذي بهذا اللفظ، ويروي: "ويدمى"، وهو أثبت وأحفظ (7) والله أعلم. وكذا ما رواه الزبير بن بكار في كتاب النسب: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عق عن ولده إبراهيم يوم سابعه وسماه إبراهيم. فإسناده لا يثبت، وهو مخالف لما في الصحيح (8) ولو صح لحمل (9) على أنه أشهر اسمه بذلك يومئذ، والله أعلم. وقوله إخبارا عن أم مريم أنها قالت: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} أي: عوذتها بالله، عز وجل، من شر الشيطان، وعوذت ذريتها، وهو ولدها عيسى، عليه السلام. فاستجاب الله لها ذلك كما قال عبد الرزاق: أنبأنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من مولود يولد إلا مسه الشيطان حين يولد، فيستهل صارخا من مسه إياه، إلا مريم وابنها". ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: {وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم} أخرجاه (10) من حديث عبد الرزاق. ورواه ابن جرير، عن أحمد بن الفرج، عن بقية، [عن

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/٣٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

«ما» التي في قوله: {إني نذرت لك ما في بطني محررا} [آل عمران: 35] لكان الكلام: فلما وضعته قالت: رب إني وضعته أنثى، ومعنى قوله: {وضعتها} [آل عمران: 36] ولدتها، يقال منه: وضعت المرأة تضع وضعا. {قالت رب إني وضعتها أنثى} [آل عمران: 36] أي ولدت النذيرة أنثى {والله أعلم بما وضعت} [آل عمران: 36] واختلف القراء في قراءة ذلك، فقرأته عامة القراء: {وضعت} [آل عمران: 36] خبرا من الله عز وجل عن نفسه أنه العالم بما وضعت من غير قيلها: {رب إني وضعتها أنثى} [آل عمران: 36] وقرأ ذلك بعض المتقدمين: {والله أعلم بما وضعت} [آل عمران: 36] على وجه الخبر بذلك عن أم مريم أنها هي القائلة، والله أعلم بما ولدت مني. وأولى القراءتين بالصواب ما نقلته الحجة مستفيضة فيها قراءته بينها لا يتدافعون صحتها، وذلك قراءة من قرأ: {والله أعلم بما وضعت} [آل عمران: 36] ولا يعترض بالشاذ عنها عليها. فتأويل الكلام إذا: والله أعلم من كل خلقه بما وضعت، ثم رجع جل ذكره إلى الخبر عن قولها، وأنها قالت اعتذارا إلى ربها مما كانت نذرت

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٣٣٦) ↗

التحرير والتنوير

إذ قالت امرأت عمران رب إني نذرت لك ما في بطني محررا فتقبل مني إنك أنت السميع العليم (35) فلما وضعتها قالت رب إني وضعتها أنثى والله أعلم بما وضعت وليس الذكر كالأنثى وإني سميتها مريم وإني أعيذها بك وذريتها من الشيطان الرجيم (36) تقدم القول في موقع إذ في أمثال هذا المقام عند تفسير قوله تعالى: وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة [البقرة: 30] . وموقعها هنا أظهر في أنها غير متعلقة بعامل، فهي لمجرد الاهتمام بالخبر ولذا قال أبو عبيدة: إذ هنا زائدة، ويجوز أن تتعلق باذكر محذوفا، ولا يجوز تعلقها باصطفى: لأن هذا خاص بفضل آل عمران، ولا علاقة له بفضل آدم ونوح وآل إبراهيم. وامرأة عمران هي حنة بنت فاقوذا. قيل: مات زوجها وتركها حبلى فنذرت حبلها ذلك محررا أي مخلصا لخدمة بيت المقدس، وكانوا ينذرون ذلك إذا كان المولود ذكرا. وإطلاق المحرر على هذا المعنى إطلاق تشريف لأنه لما خلص لخدمة بيت المقدس فكأنه حرر من أسر الدنيا وقيودها إلى حرية عبادة الله تعالى. قيل: إنها كانت تظنه ذكرا فصدر منها النذر مطلقا عن وصف الذكورة وإنما كانوا يقولون: إذا جاء ذكرا فهو محرر. وأنث الضمير في قوله: فلما وضعتها وهو عائد إلى ما في بطني باعتبار كونه انكشف ما صدقه على أنثى. وقولها: إني وضعتها أنثى خبر مستعمل في إنشاء التحذير لظهور كون المخاطب عليما بكل شيء. وتأكيد الخبر بإن مراعاة لأصل الخبرية، تحقيقا لكون المولود أنثى إذ هو بوقوعه على خلاف المترقب لها كان بحيث تشك في كونه أنثى وتخاطب نفسها بنفسها بطريق التأكيد، فلذا أكدته. ثم لما استعملت هذا الخبر في الإنشاء استعملته برمته على طريقة المجاز المركب المرسل، ومعلوم أن المركب يكون مجازا بمجموعه لا

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٣/٢٣٢) ↗