البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة آل عمران · الآية ١٩٩

﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لَا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۗ أُولَٰئِكَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: وإن من أهل الكتاب طائفة موفقة للخير، يؤمنون بالله، ويؤمنون بما أنزل إليكم وما أنزل إليهم، وهذا الإيمان النافع لا كمن يؤمن ببعض الرسل والكتب، ويكفر ببعض. ولهذا - لما كان إيمانهم عاما حقيقيا - صار نافعا، فأحدث لهم خشية الله، وخضوعهم لجلاله الموجب للانقياد لأوامره ونواهيه، والوقوف عند حدوده. وهؤلاء أهل الكتاب والعلم على الحقيقة، كما قال تعالى: إنما يخشى الله من عباده العلماء [فاطر: 28] ومن تمام خشيتهم لله، أنهم { لا يشترون بآيت الله ثمنا قليلا } فلا يقدمون الدنيا على الدين كما فعل أهل الانحراف الذين يكتمون ما أنزل الله ويشترون به ثمنا قليلا، وأما هؤلاء فعرفوا الأمر على الحقيقة، وعلموا أن من أعظم الخسران، الرضا بالدون عن الدين، والوقوف مع بعض حظوظ النفس السفلية، وترك الحق الذي هو: أكبر حظ وفوز في الدنيا والآخرة، فآثروا الحق وبينوه، ودعوا إليه، وحذروا عن الباطل، فأثابهم الله على ذلك بأن وعدهم الأجر الجزيل، والثواب الجميل، وأخبرهم بقربه، وأنه سريع الحساب، فلا يستبطؤون ما وعدهم الله، لأن ما هو آت محقق حصوله، فهو قريب. ثم حض المؤمنين على ما يوصلهم إلى الفلاح - وهو: الفوز والسعادة والنجاح، وأن الطريق الموصل إلى ذلك لزوم الصبر، الذي هو حبس النفس على ما تكرهه، من ترك المعاصي، ومن الصبر على المصائب، وعلى الأوامر الثقيلة على النفوس، فأمرهم بالصبر على جميع ذلك. والمصابرة أي الملازمة والاستمرار على ذلك، على الدوام، ومقاومة الأعداء في جميع الأحوال. والمرابطة: وهي لزوم المحل الذي يخاف من وصول العدو منه، وأن يراقبوا أعداءهم، ويمنعوهم من الوصول إلى مقاصدهم، لعلهم يفلحون: يفوزون بالمحبوب الديني والدنيوي والأخروي، وينجون من المكروه كذلك. فعلم من هذا أنه لا سبيل إلى الفلاح بدون الصبر والمصابرة والمرابطة المذكورات، فلم يفلح من أفلح إلا بها، ولم يفت أحدا الفلاح إلا بالإخلال بها أو ببعضها. …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… الله عنه، لما قرأ سورة {كهيعص} بحضرة النجاشي ملك الحبشة، وعنده البطاركة والقساوسة (1) بكى وبكوا معه، حتى أخضبوا (2) لحاهم. وثبت في الصحيحين أن النجاشي لما مات نعاه النبي (3) صلى الله عليه وسلم إلى أصحابه، وقال: "إن أخا (4) لكم بالحبشة قد مات فصلوا عليه". فخرج [بهم] (5) إلى الصحراء، فصفهم، وصلى عليه (6) . وروى ابن أبي حاتم والحافظ أبو بكر بن مردويه من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: لما توفي النجاشي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: استغفروا لأخيكم. فقال بعض الناس: يأمرنا أن نستغفر لعلج مات بأرض الحبشة. فنزلت: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} الآية. ورواه عبد بن حميد وابن (7) أبي حاتم من طريق أخرى عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن الحسن (8) عن النبي صلى الله عليه وسلم (9) . ثم رواه ابن مردويه [أيضا] (10) من طرق عن حميد، عن أنس بن مالك نحو ما تقدم (11) . ورواه أيضا ابن (12) جرير من حديث أبي بكر الهذلي، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عن جابر قال: قال [لنا] (13) رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مات النجاشي: "إن أخاكم أصحمة قد مات". فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى كما يصلي على الجنائز فكبر عليه أربعا، فقال المنافقون: يصلي على علج مات بأرض الحبشة: فأنزل الله [عز وجل] (14) {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله [وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب] (15) } (16) . وقد روى الحافظ أبو عبد الله الحاكم في مستدركه أنبأنا أبو العباس السياري بمرو، حدثنا عبد الله بن علي الغزال، حدثنا علي بن الحسن بن شقيق، حدثنا ابن المبارك، أنبأنا مصعب بن ثابت، عن عامر بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه قال: نزل بالنجاشي عدو من أرضهم، فجاءه المهاجرون فقالوا: نحب (17) أن نخرج …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وفيه أنزلت

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٣٢٧) ↗

التحرير والتنوير

و (الأبرار) جمع البر وهو الموصوف بالمبرة والبر، وهو حسن العمل ضد الفجور. [199] 199] وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله لا يشترون بآيات الله ثمنا قليلا أولئك لهم أجرهم عند ربهم إن الله سريع الحساب (199) عطف على جملة لكن الذين اتقوا ربهم [آل عمران: 198] استكمالا لذكر الفرق في تلقي الإسلام: فهؤلاء فريق الذين آمنوا من أهل الكتاب ولم يظهروا إيمانهم لخوف قومهم مثل النجاشي أصحمة، وأثنى الله عليهم بأنهم لا يحرفون الدين، والآية مؤذنة بأنهم لم يكونوا معروفين بذلك لأنهم لو عرفوا بالإيمان لما كان من فائدة في وصفهم بأنهم من أهل الكتاب، وهذا الصنف بعكس حال المنافين. وأكد الخبر بأن وبلام الابتداء للرد على المنافقين الذين قالوا لرسول الله لما صلى على النجاشي: انظروا إليه يصلي على نصراني ليس على دينه ولم يره قط. على ما روي عن ابن عباس وبعض أصحابه أن ذلك سبب نزول هذه الآية. ولعل وفاة النجاشي حصلت قبل غزوة أحد. وقيل: أريد بهم هنا من أظهر إيمانه وتصديقه من اليهود مثل عبد الله بن سلام ومخيريق، وكذا من آمن من نصارى نجران أي الذين أسلموا ورسول الله بمكة إن صح خبر إسلامهم. وجيء باسم الإشارة في قوله: أولئك لهم أجرهم عند ربهم للتنبيه على أن المشار إليهم به أحرياء بما سيرد من الإخبار عنهم لأجل ما تقدم اسم الإشارة. وأشار بقوله: إن الله سريع الحساب إلى أنه يبادر لهم بأجرهم في الدنيا ويجعله لهم يوم القيامة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٢٠٧) ↗