سورة آل عمران · الآية ١٩٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذه الآية المقصود منها التسلية عما يحصل للذين كفروا من متاع الدنيا، وتنعمهم فيها، وتقلبهم في البلاد بأنواع التجارات والمكاسب واللذات، وأنواع العز، والغلبة في بعض الأوقات، فإن هذا كله { متاع قليل } ليس له ثبوت ولا بقاء، بل يتمتعون به قليلا ويعذبون عليه طويلا هذه أعلى حالة تكون للكافر، وقد رأيت ما تؤول إليه. وأما المتقون لربهم، المؤمنون به- فمع ما يحصل لهم من عز الدنيا ونعيمها { لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها }. فلو قدر أنهم في دار الدنيا، قد حصل لهم كل بؤس وشدة، وعناء ومشقة، لكان هذا بالنسبة إلى النعيم المقيم، والعيش السليم، والسرور والحبور، والبهجة نزرا يسيرا، ومنحة في صورة محنة، ولهذا قال تعالى: { وما عند الله خير للأبرار } وهم الذين برت قلوبهم، فبرت أقوالهم وأفعالهم، فأثابهم البر الرحيم من بره أجرا عظيما، وعطاء جسيما، وفوزا دائما.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: آل عمران ١٩٦–١٩٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… في آيات الله إلا الذين كفروا فلا يغررك تقلبهم في البلاد} [غافر:4] ، وقال تعالى: {إن الذين يفترون على الله الكذب لا يفلحون. متاع في الدنيا ثم إلينا مرجعهم ثم نذيقهم العذاب الشديد بما كانوا يكفرون} [يونس:69، 70] ، وقال تعالى: {نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} [لقمان:24] ، وقال تعالى: {فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} [الطارق:17] ، أي: قليلا وقال تعالى: {أفمن وعدناه وعدا حسنا فهو لاقيه كمن متعناه متاع الحياة الدنيا ثم هو يوم القيامة من المحضرين} [القصص:61] . وهكذا لما ذكر حال الكفار في الدنيا وذكر مآلهم إلى النار قال بعده: " {لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا} أي: ضيافة من عند الله {وما عند الله خير للأبرار} وقال (2) ابن مردويه: حدثنا أحمد بن نصر (3) أخبرنا أبو طاهر سهل بن عبد الله، أنبأنا (4) هشام بن عمار، أنبأنا سعيد بن يحيى، أنبأنا عبيد الله بن الوليد الوصافي (5) عن محارب بن دثار، عن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما سموا الأبرار لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك عليك حقا، كذلك لولدك عليك حق". كذا رواه ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعا (6) وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن جناب، حدثنا عيسى بن يونس، عن عبيد الله بن الوليد الوصافي (7) عن محارب بن دثار عن ابن عمر قال: إنما سماهم الله أبرارا لأنهم بروا الآباء والأبناء، كما أن لوالديك (8) عليك حقا، كذلك لولدك عليك حق، وهذا أشبه والله أعلم (9) . ثم قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا مسلم بن إبراهيم، حدثنا هشام الدستوائي، عن رجل، عن الحسن قال: الأبرار الذين لا يؤذون الذر. وقال ابن أبي حاتم أيضا: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن خيثمة، عن الأسود قال: قال عبد الله -يعني ابن مسعود-: ما من نفس برة ولا فاجرة إلا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ما نهاهم عنه {لهم جنات} [البقرة: 25] يعني بساتين {تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها} [آل عمران: 15] يقول: باقين فيها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٣٢٥) ↗التحرير والتنوير
به إلا عودي» . وقوله: وأوذوا في سبيلي أي أصابهم الأذى وهو مكروه قليل من قول أو فعل. وفهم منه أن من أصابهم الضر أولى بالثواب وأوفى. وهذه حالة تصدق بالذين أوذوا قبل الهجرة وبعدها. وقوله: وقاتلوا وقتلوا جمع بينهما للإشارة إلى أن للقسمين ثوابا. وقرأ الجمهور: وقاتلوا وقتلوا. وقرأ حمزة، والكسائي، وخلف: وقتلوا وقاتلوا- عكس قراءة الجمهور- ومآل القراءتين واحد، وهذه حالة تصدق على المهاجرين والأنصار من الذين جاهدوا فاستشهدوا أو بقوا. وقوله: لأكفرن عنهم سيئاتهم إلخ مؤكد بلام القسم. وتكفير السيئات تقدم آنفا. [196- 198] لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد (196) متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد (197) لكن الذين اتقوا ربهم لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نزلا من عند الله وما عند الله خير للأبرار (198) اعتراض في أثناء هذه الخاتمة، نشأ عن قوله: فاستجاب لهم ربهم أني لا أضيع عمل عامل منكم [آل عمران: 195] باعتبار ما يتضمنه عدم إضاعة العمل من الجزاء عليه جزاء كاملا في الدنيا والآخرة، وما يستلزمه ذلك من حرمان الذين لم يستجيبوا لداعي الإيمان وهم المشركون، وهم المراد بالذين كفروا كما هو مصطلح القراء. والخطاب لغير معين ممن يتوهم أن يغره حسن حال المشركين في الدنيا. والغر والغرور: الإطماع في أمر محبوب على نية عدم وقوعه، أو إظهار الأمر المضر في صورة النافع، وهو مشتق من الغرة- بكسر الغين- وهي الغفلة، ورجل غر- بكسر الغين- إذا كان ينخدع لمن خادعه. وفي الحديث: «المؤمن غر كريم» أي يظن الخير بأهل الشر إذا أظهروا له الخير.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٢٠٥) ↗