سورة آل عمران · الآية ١٨٨
﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلَا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ ۖ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
الميثاق هو العهد الثقيل المؤكد، وهذا الميثاق أخذه الله تعالى على كل من أعطاه [الله] الكتب وعلمه العلم، أن يبين للناس ما يحتاجون إليه مما علمه الله، ولا يكتمهم ذلك، ويبخل عليهم به، خصوصا إذا سألوه، أو وقع ما يوجب ذلك، فإن كل من عنده علم يجب عليه في تلك الحال أن يبينه، ويوضح الحق من الباطل. فأما الموفقون، فقاموا بهذا أتم القيام، وعلموا الناس مما علمهم الله، ابتغاء مرضاة ربهم، وشفقة على الخلق، وخوفا من إثم الكتمان. وأما الذين أوتوا الكتاب، من اليهود والنصارى ومن شابههم، فنبذوا هذه العهود والمواثيق وراء ظهورهم، فلم يعبأوا بها، فكتموا الحق، وأظهروا الباطل، تجرؤا على محارم الله، وتهاونا بحقوق الله، وحقوق الخلق، واشتروا بذلك الكتمان ثمنا قليلا، وهو ما يحصل لهم إن حصل من بعض الرياسات، والأموال الحقيرة، من سفلتهم المتبعين أهواءهم، المقدمين شهواتهم على الحق، { فبئس ما يشترون } لأنه أخس العوض، والذي رغبوا عنه - وهو بيان الحق، الذي فيه السعادة الأبدية، والمصالح الدينية والدنيوية - أعظم المطالب وأجلها، فلم يختاروا الدنيء الخسيس ويتركوا العالي النفيس، إلا لسوء حظهم وهوانهم، وكونهم لا يصلحون لغير ما خلقوا له. ثم قال تعالى: { لا تحسبن الذين يفرحون بمآ أتوا } أي: من القبائح والباطل القولي والفعلي. { ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا } أي: بالخير الذي لم يفعلوه، والحق الذي لم يقولوه، فجمعوا بين فعل الشر وقوله، والفرح بذلك ومحبة أن يحمدوا على فعل الخير الذي ما فعلوه. { فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب } أي: بمحل نجوة منه وسلامة، بل قد استحقوه، وسيصيرون إليه، ولهذا قال: { ولهم عذاب أليم }. ويدخل في هذه الآية الكريمة أهل الكتاب الذين فرحوا بما عندهم من العلم، ولم ينقادوا للرسول، وزعموا أنهم هم المحقون في حالهم ومقالهم، وكذلك كل من ابتدع بدعة قولية أو فعلية، وفرح بها، ودعا إليها، وزعم أنه محق وغيره …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
فكتموا ذلك وتعوضوا عما وعدوا عليه من الخير في الدنيا والآخرة بالدون الطفيف، والحظ الدنيوي السخيف، فبئست الصفقة صفقتهم، وبئست البيعة بيعتهم. وفي هذا تحذير للعلماء أن يسلكوا مسلكهم فيصيبهم ما أصابهم، ويسلك بهم مسلكهم، فعلى العلماء أن يبذلوا ما بأيديهم من العلم النافع، الدال على العمل الصالح، ولا يكتموا (1) منه شيئا، فقد ورد في الحديث المروي من طرق متعددة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من سئل عن علم فكتمه ألجم يوم القيامة بلجام من نار". وقوله تعالى: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا [فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب] (2) } الآية، يعني بذلك المرائين المتكثرين بما لم يعطوا، كما جاء في الصحيحين عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من ادعى دعوى كاذبة ليتكثر بها لم يزده الله إلا قلة" (3) وفي الصحيح: "المتشبع (4) بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (5) . وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، عن ابن جريج، أخبرني ابن أبي مليكة أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أخبره: أن مروان قال: اذهب يا رافع -لبوابه-إلى ابن عباس، رضي الله عنه، فقل (6) لئن كان كل امرئ منا فرح بما أتى (7) وأحب أن يحمد بما لم يفعل -معذبا، لنعذبن أجمعون؟ (8) فقال ابن عباس: وما لكم (9) وهذه؟ إنما نزلت هذه في أهل الكتاب، ثم تلا ابن عباس: {وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه فنبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما يشترون} (10) وتلا ابن عباس: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} الآية. وقال ابن عباس: سألهم النبي صلى الله عليه وسلم عن شيء، فكتموه (11) وأخبروه بغيره، فخرجوا قد أروه أن قد أخبروه بما سألهم عنه، واستحمدوا بذلك إليه، وفرحوا بما أوتوا (12) من كتمانهم ما سألهم عنه. وهكذا رواه البخاري في التفسير، ومسلم، والترمذي والنسائي في تفسيريهما، وابن أبي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إذا غزا العدو، فإذا انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتذروا إليه، وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا حدثنا محمد بن سهل بن عسكر، وابن عبد الرحيم البرقي، قالا: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا محمد بن جعفر بن أبي كثير، قال: ثني زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري، أن رجالا من المنافقين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم إلى الغزو تخلفوا عنه وفرحوا بمقعدهم خلاف رسول الله، وإذا قدم النبي صلى الله عليه وسلم من السفر اعتذروا إليه وأحبوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا " فأنزل الله تعالى فيهم: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا} [آل عمران: 188] الآية حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: {لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا} [آل عمران: 188] قال: " هؤلاء المنافقون يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم: لو قد خرجت لخرجنا معك، فإذا خرج النبي صلى الله عليه وسلم PageEndV06P301 تخلفوا وكذبوا، ويفرحون بذلك، ويرون أنها حيلة احتالوا بها " وقال آخرون: عني بذلك قوم من أحبار اليهود كانوا يفرحون بإضلالهم الناس، ونسبة الناس إياهم إلى العلم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٣٠٠) ↗التحرير والتنوير
الكتاب إلا أن حكمها يشمل من يرتكب مثل صنيعهم من المسلمين لاتحاد جنس الحكم والعلة فيه. [188] 188] لا تحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب أليم (188) تكملة لأحوال أهل الكتاب المتحدث عنهم ببيان حالة خلقهم بعد أن بين اختلال أمانتهم في تبليغ الدين، وهذا ضرب آخر جاء به فريق آخر من أهل الكتاب فلذلك عبر عنهم بالموصول للتوصل إلى ذكر صلته العجيبة من حال من يفعل الشر والخسة ثم لا يقف عند حد الانكسار لما فعل أو تطلب الستر على شنعته، بل يرتقي فيترقب ثناء الناس على سوء صنعه، ويتطلب المحمدة عليه. وقيل: نزلت في المنافقين، والخطاب لكل من يصلح له الخطاب، والموصول هنا بمعنى المعرف بلام العهد لأن أريد به قوم معينون من اليهود أو المنافقين، فمعنى يفرحون بما أتوا أنهم يفرحون بما فعلوا مما تقدم ذكره، وهو نبذ الكتاب والاشتراء به ثمنا قليلا وإنما فرحهم بما نالوا بفعلهم من نفع في الدنيا. ومعنى: يحبون أن يحمدوا بما لم يفعلوا أنهم يحبون الثناء عليهم بأنهم حفظة الشريعة وحراسها والعالمون بتأويلها، وذلك خلاف الواقع. هذا ظاهر معنى الآية. وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أنهم أتوا إضلال أتباعهم عن الإيمان بمحمد صلى الله عليه وسلم وأحبوا الحمد بأنهم علماء بكتب الدين. وفي «البخاري» ، عن أبي سعيد الخدري: أنها نزلت في المنافقين، كانوا يتخلفون عن الغزو ويعتذرون بالمعاذير، فيقبل منهم النبيء صلى الله عليه وسلم ويحبون أن يحمدوا بأن لهم نية المجاهدين، وليس الموصول بمعنى لام الاستغراق. وفي «البخاري» : أن مروان بن الحكم قال لبوابه: «اذهب يا رافع إلى ابن عباس
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/١٩٣) ↗