سورة آل عمران · الآية ١٦٨
﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا ۗ قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا تسلية من الله تعالى لعباده المؤمنين، حين أصابهم ما أصابهم يوم " أحد " ، وقتل منهم نحو سبعين، فقال الله: إنكم { قد أصبتم } من المشركين { مثليها } يوم بدر فقتلتم سبعين من كبارهم وأسرتم سبعين، فليهن الأمر ولتخف المصيبة عليكم، مع أنكم لا تستوون أنتم وهم، فإن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار. { قلتم أنى هذا } أي: من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا؟ { قل هو من عند أنفسكم } حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، فعودوا على أنفسكم باللوم، واحذروا من الأسباب المردية. { إن الله على كل شيء قدير } فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم. ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض [محمد: 4]. ثم أخبر أن ما أصابهم يوم التقى الجمعان، جمع المسلمين وجمع المشركين في " أحد " من القتل والهزيمة، أنه بإذنه وقضائه وقدره، لا مرد له ولا بد من وقوعه. والأمر القدري -إذا نفذ، لم يبق إلا التسليم له، وأنه قدره لحكم عظيمة وفوائد جسيمة، وأنه ليتبين بذلك المؤمن من المنافق، الذين لما أمروا بالقتال، { وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله } أي: ذبا عن دين الله، وحماية له وطلبا لمرضاة الله، { أو ادفعوا } عن محارمكم وبلدكم، إن لم يكن لكم نية صالحة، فأبوا ذلك واعتذروا بأن { قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم } أي: لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال لاتبعناكم، وهم كذبة في هذا. قد علموا وتيقنوا وعلم كل أحد أن هؤلاء المشركين، قد ملئوا من الحنق والغيظ على المؤمنين بما أصابوا منهم، وأنهم قد بذلوا أموالهم، وجمعوا ما يقدرون عليه من الرجال والعدد، وأقبلوا في جيش عظيم قاصدين المؤمنين في بلدهم، متحرقين على قتالهم، فمن كانت هذه حالهم، كيف يتصور أنهم لا يصير بينهم وبين المؤمنين قتال؟ خصوصا وقد خرج المسلمون من المدينة وبرزوا لهم، هذا من المستحيل، ولكن المنافقين ظنوا أن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن أبي حاتم: ذكره أبي، أنبأنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا قراد أبو (1) نوح، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثنا سماك الحنفي أبو زميل، حدثني ابن عباس، حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم أحد من العام المقبل، عوقبوا بما صنعوا يوم بدر من أخذهم الفداء، فقتل منهم سبعون وفر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، وكسرت رباعيته وهشمت البيضة على رأسه، وسال الدم على وجهه، فأنزل الله عز وجل: {أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم} بأخذكم الفداء. وهكذا رواه الإمام أحمد (2) عن عبد الرحمن بن غزوان، وهو قراد أبو نوح، بإسناده ولكن بأطول منه، وكذا قال الحسن البصري. وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا إسماعيل بن علية عن ابن عون، عن محمد عن عبيدة (ح) قال سنيد -وهو حسين-: وحدثني حجاج عن جرير، عن محمد، عن عبيدة، عن علي، رضي الله عنه، قال: جاء جبريل، عليه السلام، إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا محمد، إن الله قد كره ما صنع قومك في أخذهم الأسارى، وقد أمرك أن تخيرهم بين أمرين، إما أن يقدموا فتضرب (3) أعناقهم، وبين أن يأخذوا الفداء، على أن يقتل منهم عدتهم. قال: فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فذكر ذلك لهم، فقالوا: يا رسول الله، عشائرنا وإخواننا، ألا نأخذ فداءهم فنتقوى (4) به على قتال عدونا، ويستشهد منا عدتهم، فليس في ذلك ما نكره؟ قال: فقتل منهم يوم أحد سبعون رجلا عدة أسارى أهل بدر. وهكذا رواه الترمذي والنسائي من حديث أبي داود الحفري، عن يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن سفيان بن سعيد، عن هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، به. ثم قال الترمذي: حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن أبي زائدة. وروى أبو أسامة عن هشام نحوه. وروى عن ابن سيرين عن عبيدة، عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا (5) . وقال محمد بن إسحاق، وابن جريج، والربيع بن أنس، والسدي: {قل هو من عند …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وقد يجوز أن يكون رفعا على الترجمة عما في قوله: {يكتمون} [البقرة: 159] من ذكر «الذين نافقوا» فمعنى الآية: وليعلم الله الذين قالوا لإخوانهم الذين أصيبوا مع المسلمين في حربهم المشركين بأحد يوم أحد، فقتلوا هنالك من عشائرهم وقومهم، {وقعدوا} [آل عمران: 168] يعني: وقعد هؤلاء المنافقون القائلون ما قالوا مما أخبر الله عز وجل عنهم من قيلهم عن الجهاد مع إخوانهم وعشائرهم في سبيل الله: {لو أطاعونا} [آل عمران: 168] يعني: لو أطاعنا من قتل بأحد من إخواننا وعشائرنا {ما قتلوا} [آل عمران: 168] يعني: ما قتلوا هنالك، قال الله عز وجل لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: قل يا محمد لهؤلاء القائلين هذه المقالة من المنافقين: فادرءوا، يعني: فادفعوا من قول القائل: درأت عن فلان القتل، بمعنى: دفعت عنه، أدرؤه درءا، ومنه قول الشاعر: [البحر الوافر] تقول وقد درأت لها وضيني %~% أهذا دينه أبدا وديني ؟ يقول تعالى ذكره: قل لهم: فادفعوا إن كنتم أيها المنافقون صادقين في
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٢٢٥) ↗التحرير والتنوير
168] وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (168) عطف على قوله: أولما أصابتكم مصيبة [آل عمران: 165] وهو كلام وارد على معنى التسليم أي: هبوا أن هذه مصيبة، ولم يكن عنها عوض، فهي بقدر الله، فالواجب التسليم، ثم رجع إلى ذكر بعض ما في ذلك من الحكمة. وقوله: وما أصابكم أراد به عين المراد بقوله: أصابتكم مصيبة وهي مصيبة الهزيمة. وإنما أعيد ما أصابكم ليعين اليوم بأنه يوم التقى الجمعان. وما موصولة مضمنة معنى الشرط كأنه قيل: وأما ما أصابكم، لأن قوله: وما أصابكم معناه بيان سببه وحكمته، فلذلك قرن الخبر بالفاء. ويوم التقى الجمعان هو يوم أحد. وإنما لم يقل وهي بإذن الله لأن المقصود إعلان ذكر المصيبة وأنها بإذن الله إذ المقام مقام إظهار الحقيقة، وأما التعبير بلفظ ما أصابكم دون أن يعاد لفظ المصيبة فتفنن، أو قصد الإطناب. والإذن هنا مستعمل في غير معناه إذ لا معنى لتوجه الإذن إلى المصيبة فهو مجاز في تخلية الله تعالى بين أسباب المصيبة وبين المصابين، وعدم تدارك ذلك باللطف. ووجه الشبه أن الإذن تخلية بين المأذون ومطلوبه ومراده، ذلك أن الله تعالى رتب الأسباب والمسببات في هذا العالم على نظام، فإذا جاءت المسببات من قبل أسبابها فلا عجب، والمسلمون أقل من المشركين عددا وعددا فانتصار المسلمين يوم بدر كرامة لهم، وانهزامهم يوم أحد عادة وليس بإهانة. فهذا المراد بالإذن. وقوله: وليعلم المؤمنين عطف على فبإذن الله عذف العلة على السبب. والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرر في الخارج كقول إياس بن قبيصة الطائي:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/١٦٢) ↗