سورة آل عمران · الآية ١٦٧
﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ۚ وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ۖ قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ۗ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ۚ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا تسلية من الله تعالى لعباده المؤمنين، حين أصابهم ما أصابهم يوم " أحد " ، وقتل منهم نحو سبعين، فقال الله: إنكم { قد أصبتم } من المشركين { مثليها } يوم بدر فقتلتم سبعين من كبارهم وأسرتم سبعين، فليهن الأمر ولتخف المصيبة عليكم، مع أنكم لا تستوون أنتم وهم، فإن قتلاكم في الجنة وقتلاهم في النار. { قلتم أنى هذا } أي: من أين أصابنا ما أصابنا وهزمنا؟ { قل هو من عند أنفسكم } حين تنازعتم وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون، فعودوا على أنفسكم باللوم، واحذروا من الأسباب المردية. { إن الله على كل شيء قدير } فإياكم وسوء الظن بالله، فإنه قادر على نصركم، ولكن له أتم الحكمة في ابتلائكم ومصيبتكم. ذلك ولو يشآء الله لانتصر منهم ولكن ليبلوا بعضكم ببعض [محمد: 4]. ثم أخبر أن ما أصابهم يوم التقى الجمعان، جمع المسلمين وجمع المشركين في " أحد " من القتل والهزيمة، أنه بإذنه وقضائه وقدره، لا مرد له ولا بد من وقوعه. والأمر القدري -إذا نفذ، لم يبق إلا التسليم له، وأنه قدره لحكم عظيمة وفوائد جسيمة، وأنه ليتبين بذلك المؤمن من المنافق، الذين لما أمروا بالقتال، { وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله } أي: ذبا عن دين الله، وحماية له وطلبا لمرضاة الله، { أو ادفعوا } عن محارمكم وبلدكم، إن لم يكن لكم نية صالحة، فأبوا ذلك واعتذروا بأن { قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم } أي: لو نعلم أنكم يصير بينكم وبينهم قتال لاتبعناكم، وهم كذبة في هذا. قد علموا وتيقنوا وعلم كل أحد أن هؤلاء المشركين، قد ملئوا من الحنق والغيظ على المؤمنين بما أصابوا منهم، وأنهم قد بذلوا أموالهم، وجمعوا ما يقدرون عليه من الرجال والعدد، وأقبلوا في جيش عظيم قاصدين المؤمنين في بلدهم، متحرقين على قتالهم، فمن كانت هذه حالهم، كيف يتصور أنهم لا يصير بينهم وبين المؤمنين قتال؟ خصوصا وقد خرج المسلمون من المدينة وبرزوا لهم، هذا من المستحيل، ولكن المنافقين ظنوا أن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… عن النبي صلى الله عليه وسلم مرسلا (5) . وقال محمد بن إسحاق، وابن جريج، والربيع بن أنس، والسدي: {قل هو من عند أنفسكم} أي: بسبب عصيانكم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أمركم أن لا تبرحوا من مكانكم فعصيتم، يعني بذلك الرماة {إن الله على كل شيء قدير} أي: ويفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، لا معقب لحكمه (6) . ثم قال تعالى: {وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله} أي: فراركم بين يدي عدوكم وقتلهم لجماعة منكم وجراحتهم لآخرين، كان بقضاء الله وقدره، وله الحكمة في ذلك. [وقوله] (7) {وليعلم المؤمنين} أي: الذين صبروا وثبتوا ولم يتزلزلوا. {وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/١٥٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أعلم بما يكتمون} [آل عمران: 167] يعني تعالى ذكره بذلك: والذي أصابكم يوم التقى الجمعان، وهو يوم أحد حين التقى جمع المسلمين والمشركين، ويعني بالذي أصابهم: ما نال من القتل من قتل منهم، ومن الجراح من جرح منهم {فبإذن الله} [آل عمران: 166] يقول: فهو بإذن الله كان، يعني: بقضائه وقدره فيكم، وأجاب «ما» بالفاء، لأن «ما» حرف جزاء، وقد بينت نظير ذلك فيما مضى قبل: {وليعلم المؤمنين وليعلم الذين نافقوا} [آل عمران: 166] بمعنى: وليعلم الله المؤمنين، وليعلم الذين نافقوا، أصابكم ما أصابكم يوم التقى الجمعان بأحد، ليميز أهل الإيمان بالله ورسوله المؤمنين منكم من المنافقين، فيعرفونهم، لا يخفى عليهم أمر الفريقين، وقد بينا تأويل قوله: {وليعلم المؤمنين} [آل عمران: 166] فيما مضى وما وجه ذلك، بما أغنى عن إعادته
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٢٢٠) ↗التحرير والتنوير
168] وما أصابكم يوم التقى الجمعان فبإذن الله وليعلم المؤمنين (166) وليعلم الذين نافقوا وقيل لهم تعالوا قاتلوا في سبيل الله أو ادفعوا قالوا لو نعلم قتالا لاتبعناكم هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم والله أعلم بما يكتمون (167) الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا قل فادرؤا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين (168) عطف على قوله: أولما أصابتكم مصيبة [آل عمران: 165] وهو كلام وارد على معنى التسليم أي: هبوا أن هذه مصيبة، ولم يكن عنها عوض، فهي بقدر الله، فالواجب التسليم، ثم رجع إلى ذكر بعض ما في ذلك من الحكمة. وقوله: وما أصابكم أراد به عين المراد بقوله: أصابتكم مصيبة وهي مصيبة الهزيمة. وإنما أعيد ما أصابكم ليعين اليوم بأنه يوم التقى الجمعان. وما موصولة مضمنة معنى الشرط كأنه قيل: وأما ما أصابكم، لأن قوله: وما أصابكم معناه بيان سببه وحكمته، فلذلك قرن الخبر بالفاء. ويوم التقى الجمعان هو يوم أحد. وإنما لم يقل وهي بإذن الله لأن المقصود إعلان ذكر المصيبة وأنها بإذن الله إذ المقام مقام إظهار الحقيقة، وأما التعبير بلفظ ما أصابكم دون أن يعاد لفظ المصيبة فتفنن، أو قصد الإطناب. والإذن هنا مستعمل في غير معناه إذ لا معنى لتوجه الإذن إلى المصيبة فهو مجاز في تخلية الله تعالى بين أسباب المصيبة وبين المصابين، وعدم تدارك ذلك باللطف. ووجه الشبه أن الإذن تخلية بين المأذون ومطلوبه ومراده، ذلك أن الله تعالى رتب الأسباب والمسببات في هذا العالم على نظام، فإذا جاءت المسببات من قبل أسبابها فلا عجب، والمسلمون أقل من المشركين عددا وعددا فانتصار المسلمين يوم بدر كرامة لهم، وانهزامهم يوم أحد عادة وليس بإهانة. فهذا المراد بالإذن. وقوله: وليعلم المؤمنين عطف على فبإذن الله عذف العلة على السبب. والعلم هنا كناية عن الظهور والتقرر في الخارج كقول إياس بن قبيصة الطائي:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/١٦٢) ↗