سورة آل عمران · الآية ١٣٧
﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذه الآيات الكريمات، وما بعدها في قصة " أحد " يعزي تعالى عباده المؤمنين ويسليهم، ويخبرهم أنه مضى قبلهم أجيال وأمم كثيرة، امتحنوا، وابتلي المؤمنون منهم بقتال الكافرين، فلم يزالوا في مداولة ومجاولة، حتى جعل الله العاقبة للمتقين، والنصر لعباده المؤمنين، وآخر الأمر حصلت الدولة على المكذبين، وخذلهم الله بنصر رسله وأتباعهم. { فسيروا في الأرض } بأبدانكم وقلوبكم { فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين } فإنكم لا تجدونهم إلا معذبين بأنواع العقوبات الدنيوية، قد خوت ديارهم، وتبين لكل أحد خسارهم، وذهب عزهم وملكهم، وزال بذخهم وفخرهم، أفليس في هذا أعظم دليل، وأكبر شاهد على صدق ما جاءت به الرسل؟!! وحكمة الله التي يمتحن بها عباده، ليبلوهم ويتبين صادقهم من كاذبهم، ولهذا قال تعالى: { هذا بيان للناس } أي: دلالة ظاهرة، تبين للناس الحق من الباطل، وأهل السعادة من أهل الشقاوة، وهو الإشارة إلى ما أوقع الله بالمكذبين. { وهدى وموعظة للمتقين } لأنهم هم المنتفعون بالآيات فتهديهم إلى سبيل الرشاد، وتعظهم وتزجرهم عن طريق الغي، وأما باقي الناس فهي بيان لهم، تقوم [به] عليهم الحجة من الله، ليهلك من هلك عن بينة. ويحتمل أن الإشارة في قوله: { هذا بيان للناس } للقرآن العظيم، والذكر الحكيم، وأنه بيان للناس عموما، وهدى وموعظة للمتقين خصوصا، وكلا المعنيين حق.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: آل عمران ١٣٧–١٣٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
إن كنتم مؤمنين} أي: العاقبة والنصرة لكم أيها المؤمنون. {إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله} أي: إن كنتم قد أصابتكم جراح وقتل منكم طائفة، فقد أصاب أعداءكم قريب من ذلك من قتل وجراح {وتلك الأيام نداولها بين الناس} أي: نديل عليكم الأعداء تارة، وإن كانت العاقبة لكم لما لنا في ذلك من الحكم (1) ؛ ولهذا قال تعالى: {وليعلم الله الذين آمنوا} قال ابن عباس: في مثل هذا لنرى، أي: من يصبر على مناجزة الأعداء {ويتخذ منكم شهداء} يعني: يقتلون في سبيله، ويبذلون مهجهم في مرضاته. {والله لا يحب الظالمين. وليمحص الله الذين آمنوا} أي: يكفر عنهم من ذنوبهم، إن كان لهم ذنوب وإلا رفع لهم في درجاتهم بحسب ما أصيبوا به، وقوله: {ويمحق الكافرين} أي: فإنهم إذا ظفروا بغوا وبطروا فيكون ذلك سبب دمارهم وهلاكهم ومحقهم وفنائهم. ثم قال: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} أي: أحسبتم أن تدخلوا الجنة ولم تبتلوا بالقتال والشدائد، كما قال تعالى في سورة البقرة: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا [حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله ألا إن نصر الله قريب] (2) } [البقرة:214] وقال تعالى: {الم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون [ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين] (3) } [العنكبوت:1-3] ؛ ولهذا قال هاهنا: {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} أي: لا يحصل لكم دخول الجنة حتى تبتلوا ويرى الله منكم المجاهدين في سبيله والصابرين على مقارنة الأعداء. وقوله: {ولقد كنتم تمنون الموت من قبل أن تلقوه فقد رأيتموه وأنتم تنظرون} أي: قد كنتم -أيها المؤمنون-قبل هذا اليوم تتمنون لقاء العدو وتتحرقون عليهم، وتودون مناجزتهم ومصابرتهم، فها قد حصل لكم الذي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
من سلاف الأمم قبلكم سنن، يعني ثلاث سير بها فيهم وفيمن كذبوا به من أنبيائهم الذين أرسلوا إليهم، بإمهالي أهل التكذيب بهم، واستدراجي إياهم، حتى بلغ الكتاب فيهم أجله الذي أجلته لإدالة أنبيائهم وأهل الإيمان بهم عليهم، ثم أحللت بهم عقوبتي، ونزلت بساحتهم نقمتي، فتركتهم لمن بعدهم أمثالا وعبرا {فسيروا
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٧٠) ↗التحرير والتنوير
(129) تذييل لقوله: أو يتوب عليهم أو يعذبهم مشير إلى أن هذين الحالين على التوزيع بين المشركين، ولما كان مظنة التطلع لمعرفة تخصيص فريق دون فريق، أو تعميم العذاب، ذيله بالحوالة على إجمال حضرة الإطلاق الإلهية، لأن أسرار تخصيص كل أحد بما يعين له، أسرار خفية لا يعلمها إلا الله تعالى، وكل ميسر لما خلق له. [130- 132] 132] يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (132) لولا أن الكلام على يوم أحد لم يكمل، إذ هو سيعاد عند قوله تعالى: قد خلت من قبلكم سنن إلى قوله: يستبشرون بنعمة من الله ... [آل عمران: 171] الآية لقلنا إن قوله: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا اقتضاب تشريع، ولكنه متعين لأن نعتبره استطرادا في خلال الحديث عن يوم أحد، ثم لم يظهر وجه المناسبة في وقوعه في هذا الأثناء. قال ابن عطية: ولا أحفظ سببا في ذلك مرويا. وقال الفخر: من الناس من قال: لما أرشد الله المؤمنين إلى الأصلح لهم في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا فلا تعلق لها بما قبلها. وقال القفال: لما أنفق المشركون على جيوشهم أموالا جمعوها من الربا، خيف أن يدعو ذلك المسلمين إلى الإقدام على الربا. وهذه مناسبة مستبعدة. وقال ابن عرفة: لما ذكر الله وعيد الكفار عقبه ببيان أن الوعيد لا يخصهم بل يتناول العصاة، وذكر أحد صور العصيان وهي أكل الربا. وهو في ضعف ما قبله، وعندي بادىء ذي بدء أن لا حاجة إلى اطراد المناسبة، فإن مدة نزول السورة قابلة، لأن تحدث في خلالها حوادث ينزل فيها قرآن فيكون من جملة تلك
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٨٤) ↗