البيانابحثاسألالموضوعات

سورة آل عمران · الآية ١٣٦

﴿أُولَٰئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ۚ وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

تقدم في مقدمة هذا التفسير أن العبد ينبغي له مراعاة الأوامر والنواهي في نفسه وفي غيره، وأن الله تعالى إذا أمره بأمر وجب عليه - أولا - أن يعرف حده، وما هو الذي أمر به، ليتمكن بذلك من امتثاله، فإذا عرف ذلك اجتهد، واستعان بالله على امتثاله في نفسه وفي غيره، بحسب قدرته وإمكانه، وكذلك إذا نهي عن أمر عرف حده، وما يدخل فيه وما لا يدخل، ثم اجتهد واستعان بربه في تركه، وأن هذا ينبغي مراعاته في جميع الأوامر الإلهية والنواهي، وهذه الآيات الكريمات قد اشتملت عن أوامر وخصال من خصال الخير، أمر الله [بها] وحث على فعلها، وأخبر عن جزاء أهلها، وعلى نواهي حث على تركها. ولعل الحكمة -والله أعلم- في إدخال هذه الآيات أثناء قصة " أحد " أنه قد تقدم أن الله تعالى وعد عباده المؤمنين، أنهم إذا صبروا واتقوا نصرهم على أعدائهم، وخذل الأعداء عنهم، كما في قوله تعالى: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا [آل عمران: 120]. ثم قال: بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم الآيات [آل عمران: 125]. فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة خصال التقوى، التي يحصل بها النصر والفلاح والسعادة، فذكر الله في هذه الآيات أهم خصال التقوى التي إذا قام العبد بها فقيامه بغيرها من باب أولى وأحرى، ويدل على ما قلنا أن الله ذكر لفظ " التقوى " في هذه الآيات ثلاث مرات: مرة مطلقة وهي قوله: { أعدت للمتقين } ومرتين مقيدتين، فقال: { واتقوا الله } { واتقوا النار } فقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } كل ما في القرآن من قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } افعلوا كذا، أو اتركوا كذا، يدل على أن الإيمان هو السبب الداعي والموجب لامتثال ذلك الأمر، واجتناب ذلك النهي لأن الإيمان هو التصديق الكامل بما يجب التصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، فنهاهم عن أكل الربا أضعافا مضاعفة، وذلك هو ما اعتاده أهل الجاهلية، ومن لا يبالي بالأوامر الشرعية من أنه إذا …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة، كما كانوا يقولون في الجاهلية -إذا حل أجل الدين: إما أن يقضي وإما أن يربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده الآخر في القدر، وهكذا كل عام، فربما (1) تضاعف القليل حتى يصير كثيرا مضاعفا. وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى (2) ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها، فقال: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين. وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} . ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} أي: كما أعدت النار للكافرين. وقد قيل: إن معنى قوله: {عرضها السماوات والأرض} تنبيها (3) على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة: {بطائنها من إستبرق} [الرحمن:54] أي: فما ظنك بالظهائر؟ وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله. وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن" (4) . وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} الآية [رقم21] . وقد روينا في مسند الإمام أحمد: أن هرقل كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فأين النار؟ فقال النبي (5) صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله! فأين (6) الليل إذا جاء النهار؟ " (7) . وقد رواه ابن جرير فقال: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن أبي

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/١١٧) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

{جزاؤهم} [آل عمران: 87] يعني ثوابهم من أعمالهم التي وصفهم تعالى ذكره أنهم عملوها، {مغفرة من ربهم} [آل عمران: 136] يقول: عفو لهم من الله عن عقوبتهم على ما سلف من ذنوبهم، ولهم على ما أطاعوا الله فيه من أعمالهم بالحسن منها جنات، وهي البساتين {تجري من

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٦٩) ↗

التحرير والتنوير

136] أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين (136) استئناف للتنويه بسداد عملهم: من الاستغفار، وقبول الله منهم. وجيء باسم الإشارة لإفادة أن المشار إليهم صاروا أحرياء بالحكم الوارد بعد اسم الإشارة، لأجل تلك الأوصاف التي استوجبوا الإشارة لأجلها. وهذا الجزاء وهو المغفرة وعد من الله تعالى، تفضلا منه: بأن جعل الإقلاع عن المعاصي سببا في غفران ما سلف منها. وأما الجنات فإنما خلصت لهم لأجل المغفرة، ولو أخذوا بسالف ذنوبهم لما استحقوا الجنات فالكل فضل منه تعالى. وقوله: ونعم أجر العاملين تذييل لإنشاء مدح الجزاء. والمخصوص بالمدح محذوف تقديره هو. والواو للعطف على جملة جزاؤهم مغفرة فهو من عطف الإنشاء على الإخبار، وهو كثير في فصيح الكلام، وسمي الجزاء أجرا لأنه كان عن وعد للعامل بما عمل. والتعريف في (العاملين) للعهد أي: ونعم أجر العاملين هذا الجزاء، وهذا تفضيل له والعمل المجازى عليه أي إذا كان لأصناف العاملين أجور، كما هو المتعارف، فهذا نعم الأجر لعامل. [137] قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين (137) استئناف ابتدائي: تمهيد لإعادة الكلام على ما كان يوم أحد، وما بينهما استطراد، كما علمت آنفا، وهذا مقدمة التسلية والبشارة الآيتين. ابتدئت هاته المقدمة بحقيقة تاريخية: وهي الاعتبار بأحوال الأمم الماضية.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٩٥) ↗