سورة آل عمران · الآية ١٣٣
﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
تقدم في مقدمة هذا التفسير أن العبد ينبغي له مراعاة الأوامر والنواهي في نفسه وفي غيره، وأن الله تعالى إذا أمره بأمر وجب عليه - أولا - أن يعرف حده، وما هو الذي أمر به، ليتمكن بذلك من امتثاله، فإذا عرف ذلك اجتهد، واستعان بالله على امتثاله في نفسه وفي غيره، بحسب قدرته وإمكانه، وكذلك إذا نهي عن أمر عرف حده، وما يدخل فيه وما لا يدخل، ثم اجتهد واستعان بربه في تركه، وأن هذا ينبغي مراعاته في جميع الأوامر الإلهية والنواهي، وهذه الآيات الكريمات قد اشتملت عن أوامر وخصال من خصال الخير، أمر الله [بها] وحث على فعلها، وأخبر عن جزاء أهلها، وعلى نواهي حث على تركها. ولعل الحكمة -والله أعلم- في إدخال هذه الآيات أثناء قصة " أحد " أنه قد تقدم أن الله تعالى وعد عباده المؤمنين، أنهم إذا صبروا واتقوا نصرهم على أعدائهم، وخذل الأعداء عنهم، كما في قوله تعالى: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا [آل عمران: 120]. ثم قال: بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم الآيات [آل عمران: 125]. فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة خصال التقوى، التي يحصل بها النصر والفلاح والسعادة، فذكر الله في هذه الآيات أهم خصال التقوى التي إذا قام العبد بها فقيامه بغيرها من باب أولى وأحرى، ويدل على ما قلنا أن الله ذكر لفظ " التقوى " في هذه الآيات ثلاث مرات: مرة مطلقة وهي قوله: { أعدت للمتقين } ومرتين مقيدتين، فقال: { واتقوا الله } { واتقوا النار } فقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } كل ما في القرآن من قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } افعلوا كذا، أو اتركوا كذا، يدل على أن الإيمان هو السبب الداعي والموجب لامتثال ذلك الأمر، واجتناب ذلك النهي لأن الإيمان هو التصديق الكامل بما يجب التصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، فنهاهم عن أكل الربا أضعافا مضاعفة، وذلك هو ما اعتاده أهل الجاهلية، ومن لا يبالي بالأوامر الشرعية من أنه إذا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة، كما كانوا يقولون في الجاهلية -إذا حل أجل الدين: إما أن يقضي وإما أن يربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده الآخر في القدر، وهكذا كل عام، فربما (1) تضاعف القليل حتى يصير كثيرا مضاعفا. وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى (2) ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها، فقال: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين. وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} . ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} أي: كما أعدت النار للكافرين. وقد قيل: إن معنى قوله: {عرضها السماوات والأرض} تنبيها (3) على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة: {بطائنها من إستبرق} [الرحمن:54] أي: فما ظنك بالظهائر؟ وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله. وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن" (4) . وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} الآية [رقم21] . وقد روينا في مسند الإمام أحمد: أن هرقل كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فأين النار؟ فقال النبي (5) صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله! فأين (6) الليل إذا جاء النهار؟ " (7) . وقد رواه ابن جرير فقال: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن أبي
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/١١٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عرضها السموات والأرض} يعني سارعوا أيضا إلى جنة عرضها السماوات والأرض، ذكر أن معنى ذلك وجنة عرضها كعرض السماوات السبع، والأرضين السبع، إذا ضم بعضها إلى بعض
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٥٢) ↗التحرير والتنوير
وقوله: واتقوا النار التي أعدت للكافرين تحذير وتنفير من النار وما يوقع فيها، بأنها معدودة للكافرين وإعدادها للكافرين. عدل من الله تعالى وحكمة لأن ترتب الأشياء على أمثالها من أكبر مظاهر الحكمة، ومن أشركوا بالله مخلوقاته، فقد استحقوا الحرمان من رحماته، والمسلمون لا يرضون بمشاركة الكافرين لأن الإسلام الحق يوجب كراهية ما ينشأ عن الكفر. وذاك تعريض واضح في الوعيد على أخذ الربا. ومقابل هذا التنفير الترغيب الآتي في قوله: وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين [آل عمران: 133] ، والتقوى أعلى درجات الإيمان. وتعريف النار بهذه الصلة يشعر بأنه قد شاع بين المسلمين هذا الوصف للنار بما في القرآن من نحو قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة [التحريم: 6] ، وقوله: وبرزت الجحيم للغاوين [الشعراء: 91] الآية. [133، 134] وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين (133) الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين (134) وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض. قرأ نافع وابن عامر وأبو جعفر سارعوا دون واو عطف. تتنزل جملة سارعوا.. منزلة البيان، أو بدل الاشتمال، لجملة وأطيعوا الله والرسول لأن طاعة الله والرسول مسارعة إلى المغفرة والجنة فلذلك فصلت. ولكون الأمر بالمسارعة إلى المغفرة والجنة يؤول إلى الأمر بالأعمال الصالحة جاز عطف الجملة على الجملة الأمر بالطاعة، فلذلك قرأ بقية العشرة وسارعوا. بالعطف وفي هذه الآية ما ينبئنا بأنه يجوز الفصل والوصل في بعض الجمل باعتبارين. والسرعة المشتق منها سارعوا مجاز في الحرص والمنافسة والفور إلى عمل الطاعات التي هي سبب المغفرة والجنة، ويجوز أن تكون السرعة حقيقة، وهي سرعة الخروج إلى الجهاد عند النفير كقوله في الحديث: «وإذا استنفرتم فانفروا»
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٨٨) ↗