سورة آل عمران · الآية ١٣٢
﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
تقدم في مقدمة هذا التفسير أن العبد ينبغي له مراعاة الأوامر والنواهي في نفسه وفي غيره، وأن الله تعالى إذا أمره بأمر وجب عليه - أولا - أن يعرف حده، وما هو الذي أمر به، ليتمكن بذلك من امتثاله، فإذا عرف ذلك اجتهد، واستعان بالله على امتثاله في نفسه وفي غيره، بحسب قدرته وإمكانه، وكذلك إذا نهي عن أمر عرف حده، وما يدخل فيه وما لا يدخل، ثم اجتهد واستعان بربه في تركه، وأن هذا ينبغي مراعاته في جميع الأوامر الإلهية والنواهي، وهذه الآيات الكريمات قد اشتملت عن أوامر وخصال من خصال الخير، أمر الله [بها] وحث على فعلها، وأخبر عن جزاء أهلها، وعلى نواهي حث على تركها. ولعل الحكمة -والله أعلم- في إدخال هذه الآيات أثناء قصة " أحد " أنه قد تقدم أن الله تعالى وعد عباده المؤمنين، أنهم إذا صبروا واتقوا نصرهم على أعدائهم، وخذل الأعداء عنهم، كما في قوله تعالى: وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا [آل عمران: 120]. ثم قال: بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم الآيات [آل عمران: 125]. فكأن النفوس اشتاقت إلى معرفة خصال التقوى، التي يحصل بها النصر والفلاح والسعادة، فذكر الله في هذه الآيات أهم خصال التقوى التي إذا قام العبد بها فقيامه بغيرها من باب أولى وأحرى، ويدل على ما قلنا أن الله ذكر لفظ " التقوى " في هذه الآيات ثلاث مرات: مرة مطلقة وهي قوله: { أعدت للمتقين } ومرتين مقيدتين، فقال: { واتقوا الله } { واتقوا النار } فقوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } كل ما في القرآن من قوله تعالى: { يأيها الذين آمنوا } افعلوا كذا، أو اتركوا كذا، يدل على أن الإيمان هو السبب الداعي والموجب لامتثال ذلك الأمر، واجتناب ذلك النهي لأن الإيمان هو التصديق الكامل بما يجب التصديق به، المستلزم لأعمال الجوارح، فنهاهم عن أكل الربا أضعافا مضاعفة، وذلك هو ما اعتاده أهل الجاهلية، ومن لا يبالي بالأوامر الشرعية من أنه إذا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى ناهيا عباده المؤمنين عن تعاطي الربا وأكله أضعافا مضاعفة، كما كانوا يقولون في الجاهلية -إذا حل أجل الدين: إما أن يقضي وإما أن يربي، فإن قضاه وإلا زاده في المدة وزاده الآخر في القدر، وهكذا كل عام، فربما (1) تضاعف القليل حتى يصير كثيرا مضاعفا. وأمر تعالى عباده بالتقوى لعلهم يفلحون في الأولى والأخرى (2) ثم توعدهم بالنار وحذرهم منها، فقال: {واتقوا النار التي أعدت للكافرين. وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون} . ثم ندبهم إلى المبادرة إلى فعل الخيرات والمسارعة إلى نيل القربات، فقال: {وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين} أي: كما أعدت النار للكافرين. وقد قيل: إن معنى قوله: {عرضها السماوات والأرض} تنبيها (3) على اتساع طولها، كما قال في صفة فرش الجنة: {بطائنها من إستبرق} [الرحمن:54] أي: فما ظنك بالظهائر؟ وقيل: بل عرضها كطولها؛ لأنها قبة تحت العرش، والشيء المقبب والمستدير عرضه كطوله. وقد دل على ذلك ما ثبت في الصحيح: "إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة ومنه تفجر أنهار الجنة، وسقفها عرش الرحمن" (4) . وهذه الآية كقوله تعالى في سورة الحديد: {سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض} الآية [رقم21] . وقد روينا في مسند الإمام أحمد: أن هرقل كتب إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إنك دعوتني إلى جنة عرضها السماوات والأرض، فأين النار؟ فقال النبي (5) صلى الله عليه وسلم: "سبحان الله! فأين (6) الليل إذا جاء النهار؟ " (7) . وقد رواه ابن جرير فقال: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أخبرني مسلم بن خالد، عن أبي
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/١١٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٥١) ↗التحرير والتنوير
(129) تذييل لقوله: أو يتوب عليهم أو يعذبهم مشير إلى أن هذين الحالين على التوزيع بين المشركين، ولما كان مظنة التطلع لمعرفة تخصيص فريق دون فريق، أو تعميم العذاب، ذيله بالحوالة على إجمال حضرة الإطلاق الإلهية، لأن أسرار تخصيص كل أحد بما يعين له، أسرار خفية لا يعلمها إلا الله تعالى، وكل ميسر لما خلق له. [130- 132] 132] يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا أضعافا مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون (130) واتقوا النار التي أعدت للكافرين (131) وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون (132) لولا أن الكلام على يوم أحد لم يكمل، إذ هو سيعاد عند قوله تعالى: قد خلت من قبلكم سنن إلى قوله: يستبشرون بنعمة من الله ... [آل عمران: 171] الآية لقلنا إن قوله: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا اقتضاب تشريع، ولكنه متعين لأن نعتبره استطرادا في خلال الحديث عن يوم أحد، ثم لم يظهر وجه المناسبة في وقوعه في هذا الأثناء. قال ابن عطية: ولا أحفظ سببا في ذلك مرويا. وقال الفخر: من الناس من قال: لما أرشد الله المؤمنين إلى الأصلح لهم في أمر الدين والجهاد أتبع ذلك بما يدخل في الأمر والنهي فقال: يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربوا فلا تعلق لها بما قبلها. وقال القفال: لما أنفق المشركون على جيوشهم أموالا جمعوها من الربا، خيف أن يدعو ذلك المسلمين إلى الإقدام على الربا. وهذه مناسبة مستبعدة. وقال ابن عرفة: لما ذكر الله وعيد الكفار عقبه ببيان أن الوعيد لا يخصهم بل يتناول العصاة، وذكر أحد صور العصيان وهي أكل الربا. وهو في ضعف ما قبله، وعندي بادىء ذي بدء أن لا حاجة إلى اطراد المناسبة، فإن مدة نزول السورة قابلة، لأن تحدث في خلالها حوادث ينزل فيها قرآن فيكون من جملة تلك
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٨٤) ↗