سورة آل عمران · الآية ١٢١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه الآيات نزلت في وقعة " أحد " وقصتها مشهورة في السير والتواريخ، ولعل الحكمة في ذكرها في هذا الموضع، وأدخل في أثنائها وقعة " بدر " لما أن الله تعالى قد وعد المؤمنين أنهم إذا صبروا واتقوا نصرهم، ورد كيد الأعداء عنهم، وكان هذا حكما عاما ووعدا صادقا لا يتخلف مع الإتيان بشرطه، فذكر نموذجا من هذا في هاتين القصتين، وأن الله نصر المؤمنين في " بدر " لما صبروا واتقوا، وأدال عليهم العدو لما صدر من بعضهم من الإخلال بالتقوى ما صدر، ومن حكمة الجمع بين القصتين أن الله يحب من عباده إذا أصابهم ما يكرهون أن يتذكروا ما يحبون، فيخف عنهم البلاء ويشكروا الله على نعمه العظيمة التي إذا قوبلت بما ينالهم من المكروه الذي هو في الحقيقة خير لهم، كان المكروه بالنسبة إلى المحبوب نزرا يسيرا، وقد أشار تعالى إلى هذه الحكمة في قوله أولمآ أصبتكم مصيبة قد أصبتم مثليها [آل عمران: 165] وحاصل قضية " أحد " وإجمالها أن المشركين لما رجع فلهم من " بدر " إلى مكة، وذلك في سنة اثنتين من الهجرة، استعدوا بكل ما يقدرون عليه من العدد بالأموال والرجال والعدد، حتى اجتمع عندهم من ذلك ما جزموا بحصول غرضهم وشفاء غيظهم، ثم وجهوا من مكة للمدينة في ثلاثة آلاف مقاتل، حتى نزلوا قرب المدينة، فخرج النبي صلى الله عليه وسلم إليهم هو وأصحابه بعد المراجعة والمشاورة حتى استقر رأيهم على الخروج، وخرج في ألف، فلما ساروا قليلا رجع عبد الله بن أبي المنافق بثلث الجيش ممن هو على مثل طريقته، وهمت طائفتان من المؤمنين أن يرجعوا وهم بنو سلمة وبنو حارثة فثبتهم الله، فلما وصلوا إلى أحد رتبهم النبي صلى الله عليه وسلم في مواضعهم وأسندوا ظهورهم إلى أحد، ورتب النبي صلى الله عليه وسلم خمسين رجلا من أصحابه في خلة في جبل " أحد " وأمرهم أن يلزموا مكانهم ولا يبرحوا منه ليأمنوا أن يأتيهم أحد من ظهورهم، فلما التقى المسلمون والمشركون انهزم المشركون هزيمة قبيحة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… لنا أوعلينا، وإن رأيتمونا تخطفنا الطير فلا تبرحوا مكانكم". وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين، وأعطى اللواء مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار. وأجاز رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الغلمان يومئذ وأرجأ آخرين، حتى أمضاهم يوم الخندق بعد هذا اليوم بقريب من سنتين. وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فرس قد جنبوها (2) فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد: وعلى الميسرة عكرمة بن أبي جهل، ودفعوا إلى بني عبد الدار اللواء. ثم كان بين الفريقين ما سيأتي تفصيله في مواضعه عند هذه الآيات، إن شاء الله تعالى. ولهذا قال تعالى: {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} أي: بين لهم منازلهم ونجعلهم (3) ميمنة وميسرة وحيث أمرتهم {والله سميع عليم} أي: سميع لما تقولون، عليم بضمائركم. وقد أورد ابن جرير هاهنا سؤالا حاصله: كيف يقولون: إن النبي صلى الله عليه وسلم سار (4) إلى أحد يوم الجمعة بعد الصلاة، وقد قال الله [تعالى] (5) {وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال} ؟ ثم كان جوابه عنه: أن غدوه ليبوئهم (6) مقاعد، إنما كان يوم السبت أول النهار. وقوله: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا [والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون] (7) } قال البخاري: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان قال: قال عمرو: سمعت جابر بن عبد الله يقول: فينا نزلت: {إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا [والله وليهما وعلى الله فليتوكل المؤمنون] (8) } قال: نحن الطائفتان بنو حارثة وبنو سلمة، وما نحب -وقال سفيان مرة: وما يسرني-أنها لم تنزل، لقول (9) الله تعالى: {والله وليهما} .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٢/١١٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
طاعتي، واتباع أمر رسولي، كما نصرتكم ببدر وأنتم أذلة، وإن أنتم خالفتم أيها المؤمنون أمري، ولم تصبروا على ما كلفتكم من فرائضي، ولم تتقوا ما نهيتكم عنه، وخالفتم أمري، وأمر رسولي، فإنه نازل بكم ما نزل بكم بأحد، واذكروا ذلك اليوم إذ غدا نبيكم يبوئ المؤمنين؛ فترك ذكر الخبر عن أمر القوم إن لم يصبروا على أمر ربهم ولم يتقوه اكتفاء بدلالة ما ظهر من الكلام على معناه، إذ ذكر ما هو فاعل بهم من صرف كيد أعدائهم عنهم، إن صبروا على أمره، واتقوا محارمه، وتعقيبه ذلك بتذكيرهم ما حل بهم من البلاء بأحد، إذ خالف بعضهم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتنازعوا الرأي بينهم. وأخرج الخطاب في قوله: {وإذ غدوت من أهلك} [آل عمران: 121] على وجه الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمراد بمعناه الذين نهاهم أن يتخذ الكفار من اليهود بطانة من دون المؤمنين، فقد بين إذا أن قوله: «وإذ» إنما جرها في معنى الكلام على ما قد بينت وأوضحت.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٦/٥) ↗التحرير والتنوير
وقعة بدر، ويبعد ذلك أن سورة آل عمران اشتملت على التذكير بنصر المسلمين يوم بدر، وأن فيها ذكر يوم أحد، ويجوز أن يكون بعضها نزل متأخرا. وذكر الواحدي في أسباب النزول، عن المفسرين: أن أول هذه السورة إلى قوله: ونحن له مسلمون [آل عمران: 84] نزل بسبب وفد نجران، هو وفد السيد والعاقب، أي سنة اثنتين من الهجرة، ومن العلماء من قالوا: نزلت سورة آل عمران بعد سورة الأنفال، وكان نزولها في وقعة أحد، أي شوال سنة ثلاث، وهذا وأقرب، فقد اتفق المفسرون على أن قوله تعالى: وإذ غدوت من أهلك تبوئ المؤمنين مقاعد للقتال [آل عمران: 121] أنه قتال يوم أحد. وكذلك قوله: وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم [آل عمران: 144] فإنه مشير إلى الإرجاف يوم أحد بقتل النبيء صلى الله عليه وسلم. ويجوز أن يكون أولها نزل بعد البقرة إلى نهاية ما يشير إلى حديث وفد نجران، وذلك مقدار ثمانين آية من أولها إلى قوله: وإذ غدوت من أهلك [آل عمران: 121] قاله القرطبي في أول السورة، وفي تفسير قوله: ما كان لبشر أن يؤتيه الله الكتاب [آل عمران: 79] الآية. وقد تقدم القول في صدر سورة الفاتحة: إننا بينا إمكان تقارن نزول سور عدة في مدة واحدة، فليس معنى قولهم: نزلت سورة كذا بعد سورة كذا، مرادا منه أن المعدودة نازلة بعد أخرى أنها ابتدئ نزولها بعد انتهاء الأخرى، بل المراد أنها ابتدئ نزولها بعد ابتداء نزول التي سبقتها. وقد عدت هذه السورة الثامنة والأربعين في عداد نزول سور القرآن. وعدد آيها مائتان في عد الجمهور وعددها عند أهل العدد بالشام مائة وتسع وتسعون. واشتملت هذه السورة، من الأغراض: على الابتداء بالتنويه بالقرآن، ومحمد صلى الله عليه وسلم، وتقسيم آيات القرآن، ومراتب الأفهام في تلقيها، والتنويه بفضيلة الإسلام وأنه لا يعدله دين، وأنه لا يقبل دين عند الله، بعد ظهور الإسلام، غير الإسلام، والتنويه بالتوراة …
أكمل القراءة في الكتاب ↗