سورة آل عمران · الآية ١٢٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ينهى تعالى عباده المؤمنين أن يتخذوا بطانة من المنافقين من أهل الكتاب وغيرهم يظهرونهم على سرائرهم أو يولونهم بعض الأعمال الإسلامية وذلك أنهم هم الأعداء الذين امتلأت قلوبهم من العداوة والبغضاء فظهرت على أفواههم { وما تخفي صدورهم أكبر } مما يسمع منهم فلهذا { لا يألونكم خبالا } أي: لا يقصرون في حصول الضرر عليكم والمشقة وعمل الأسباب التي فيها ضرركم ومساعدة الأعداء عليكم قال الله للمؤمنين { قد بينا لكم الآيات } أي: التي فيها مصالحكم الدينية والدنيوية { إن كنتم تعقلون } فتعرفونها وتفرقون بين الصديق والعدو، فليس كل أحد يجعل بطانة، وإنما العاقل من إذا ابتلي بمخالطة العدو أن تكون مخالطة في ظاهره ولا يطلعه من باطنه على شيء ولو تملق له وأقسم أنه من أوليائه قال الله مهيجا للمؤمنين على الحذر من هؤلاء المنافقين من أهل الكتاب، ومبينا شدة عداوتهم { هآأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم وتؤمنون بالكتاب كله } أي: جنس الكتب التي أنزلها الله على أنبيائه وهم لا يؤمنون بكتابكم، بل إذا لقوكم أظهروا لكم الإيمان { وإذا لقوكم قالوا آمنا وإذا خلوا عضوا عليكم الأنامل } وهي أطراف الأصابع من شدة غيظهم عليكم { قل موتوا بغيظكم إن الله عليم بذات الصدور } وهذا فيه بشارة للمؤمنين أن هؤلاء الذين قصدوا ضرركم لا يضرون إلا أنفسهم، وإن غيظهم لا يقدرون على تنفيذه، بل لا يزالون معذبين به حتى يموتوا فيتنقلوا من عذاب الدنيا إلى عذاب الآخرة. { إن تمسسكم حسنة } كالنصر على الأعداء وحصول الفتح والغنائم { تسؤهم } أي: تغمهم وتحزنهم { وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط } فإذا أتيتم بالأسباب التي وعد الله عليها النصر - وهي الصبر والتقوى- لم يضركم مكرهم، بل يجعل الله مكرهم في نحورهم لأنه محيط بهم علمه وقدرته فلا منفذ لهم عن ذلك ولا يخفى عليهم منهم شيء.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: آل عمران ١١٨–١٢٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أيضا (1) وعلقه البخاري في صحيحه فقال: وقال عبيد الله بن أبي جعفر، عن صفوان بن سليم، عن أبي سلمة، عن أبي أيوب الأنصاري، فذكره. فيحتمل أنه عند أبي سلمة عن ثلاثة من الصحابة (2) والله أعلم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو أيوب محمد (3) بن الوزان، حدثنا عيسى بن يونس، عن أبي حيان التيمي عن أبي الزنباع، عن ابن أبي الدهقانة قال: قيل لعمر بن الخطاب، رضي الله عنه: إن هاهنا غلاما من أهل الحيرة، حافظ كاتب، فلو اتخذته كاتبا؟ فقال: قد اتخذت إذا بطانة من دون المؤمنين (4) . ففي هذا الأثر مع هذه الآية دلالة على أن أهل الذمة لا يجوز استعمالهم في الكتابة، التي فيها استطالة على المسلمين واطلاع على دواخل أمورهم التي يخشى أن يفشوها إلى الأعداء من أهل الحرب؛ ولهذا قال تعالى: {لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم} . وقد قال الحافظ أبو يعلى: حدثنا إسحاق بن إسرائيل، حدثنا هشيم، حدثنا العوام، عن الأزهر بن راشد قال: كانوا يأتون أنسا، فإذا حدثهم بحديث لا يدرون ما هو، أتوا الحسن -يعني البصري-فيفسره (5) لهم. قال: فحدث ذات يوم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا تستضيؤوا بنار المشركين، ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا (6) فلم يدروا ما هو، فأتوا الحسن فقالوا له: إن أنسا حدثنا أن رسول الله (7) صلى الله عليه وسلم قال: "لا تستضيؤوا بنار الشرك (8) ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا (9) فقال الحسن: أما قوله: "ولا تنقشوا في خواتيمكم عربيا (10) : محمد صلى الله عليه وسلم. وأما قوله: "لا تستضيؤوا بنار الشرك" يقول: لا تستشيروا المشركين في أموركم. ثم قال الحسن: تصديق ذلك في كتاب الله: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم} . هكذا رواه الحافظ أبو يعلى، رحمه الله، وقد (11) رواه النسائي عن مجاهد بن موسى، عن هشيم. ورواه الإمام أحمد، عن هشيم بإسناده مثله، من غير ذكر تفسير الحسن البصري (12) . وهذا التفسير فيه نظر، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٧٢١) ↗التحرير والتنوير
إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط (120) إن تمسسكم حسنة تسؤهم وإن تصبكم سيئة يفرحوا بها. زاد الله كشفا لما في صدورهم بقوله: إن تمسسكم حسنة تسؤهم أي تصبكم حسنة والمس الإصابة، ولا يختص أحدهما بالخير والآخر بالشر، فالتعبير بأحدهما في جانب الحسنة، وبالآخر في جانب السيئة، تفنن، وتقدم عند قوله تعالى: كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس في سورة البقرة [275] . والحسنة والسيئة هنا الحادثة أو الحالة التي تحسن عند صاحبها أو تسوء وليس المراد بهما هنا الاصطلاح الشرعي. وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئا إن الله بما يعملون محيط. أرشد الله المؤمنين إلى كيفية تلقي أذى العدو: بأن يتلقوه بالصبر والحذر، وعبر عن الحذر بالاتقاء أي اتقاء كيدهم وخداعهم، وقوله لا يضركم كيدهم شيئا أي بذلك ينتفي الضر كله لأنه أثبت في أول الآيات أنهم لا يضرون المؤمنين إلا أذى، فالأذى ضر خفيف، فلما انتفى الضر الأعظم الذي يحتاج في دفعه إلى شديد مقاومة من القتال وحراسة وإنفاق، كان انتفاء ما بقي من الضر هينا، وذلك بالصبر على الأذى، وقلة الاكتراث به، مع الحذر منهم أن يتوسلوا بذلك الأذى إلى ما يوصل ضرا عظيما. وفي الحديث: «لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله يدعون له ندا وهو يرزقهم» . وقرأ نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب: لا يضركم- بكسر الضاد وسكون الراء- من ضاره يضيره بمعنى أضره. وقرأه ابن عامر، وحمزة، وعاصم، والكسائي، وأبو جعفر، وخلف- بضم الضاد
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٤/٦٨) ↗