سورة العنكبوت · الآية ٦٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: الباري تبارك وتعالى، قد تكفل بأرزاق الخلائق كلهم، قويهم وعاجزهم، فكم { من دآبة } في الأرض، ضعيفة القوى، ضعيفة العقل. { دآبة لا تحمل رزقها } ولا تدخره، بل لم تزل، لا شيء معها من الرزق، ولا يزال الله يسخر لها الرزق، في كل وقت بوقته. { الله يرزقها وإياكم } فكلكم عيال الله، القائم برزقكم، كما قام بخلقكم وتدبيركم، { وهو السميع العليم } فلا يخفى عليه خافية، ولا تهلك دابة من عدم الرزق بسبب أنها خافية عليه. كما قال تعالى: وما من دآبة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين [هود: 6].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: العنكبوت ٦٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
هذا أمر من الله لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم؛ ولهذا قال: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} . قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدثني أبو سعد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى (1) الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيرا فأقم" (2) . ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، ليأمنوا، على دينهم هناك، فوجدوا هناك خير المنزلين، أصحمة النجاشي ملك الحبشة، رحمه الله، آواهم وأيدهم بنصره، وجعلهم شيوما ببلاده. ثم بعد ذلك هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة (3)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٩٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذات حاجة إلى غذاء ومطعم ومشرب لا تحمل رزقها، يعني: غذاءها لا تحمله، فترفعه في يومها لغدها لعجزها عن ذلك {الله يرزقها وإياكم} [العنكبوت: 60] يوما بيوم {وهو السميع} [البقرة: 137] لأقوالكم: نخشى بفراقنا أوطاننا العيلة {العليم} [البقرة: 32] ما في أنفسكم، وما إليه صائر أمركم، وأمر عدوكم من إذلال الله إياهم، ونصرتكم عليهم، وغير ذلك من أموركم، لا يخفى عليه شيء من أمور خلقه. وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٣٧) ↗التحرير والتنوير
الذين صبروا. والمراد: صبرهم على إقامة الدين وتحمل أذى المشركين، وقد علموا أنهم لاقوه فتوكلوا على ربهم ولم يعبأوا بقطيعة قومهم ولا بحرمانهم من أموالهم ثم فارقوا أوطانهم فرارا بدينهم من الفتن. ومن اللطائف مقابلة غشيان العذاب للكفار من فوقهم ومن تحت أرجلهم بغشيان النعيم للمؤمنين من فوقهم بالغرف ومن تحتهم بالأنهار. وتقديم المجرور على متعلقه من قوله: وعلى ربهم يتوكلون للاهتمام. وتقدم معنى التوكل عند قوله تعالى: فإذا عزمت فتوكل على الله في سورة آل عمران [159] [60] 60] وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم (60) عطف على جملة: كل نفس ذائقة الموت [العنكبوت: 57] فإن الله لما هون بها أمر الموت في مرضاة الله وكانوا ممن لا يعبأ بالموت علم أنهم يقولون في أنفسهم: إنا لا نخاف الموت ولكنا نخاف الفقر والضيعة. واستخفاف العرب بالموت سجية فيهم كما أن خشية المعرة من سجاياهم كما بيناه عند قوله تعالى: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق [الإسراء: 31] فأعقب ذلك بأن ذكرهم بأن رزقهم على الله وأنه لا يضيعهم. وضرب لهم المثل برزق الدواب، وللمناسبة في قوله تعالى: إن أرضي واسعة [العنكبوت: 56] من توقع الذين يهاجرون من مكة أن لا يجدوا رزقا في البلاد التي يهاجرون إليها، وهو أيضا مناسب لوقوعه عقب ذكر التوكل في قوله: وعلى ربهم يتوكلون [العنكبوت: 59] ، وفي الحديث: «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقتم كما ترزق الطير تغدو خماصا وتروح بطانا» . ولعل ما في هذه الآية وما في الحديث مقصود به المؤمنون الأولون ضمن الله لهم رزقهم لتوكلهم عليه في تركهم أموالهم بمكة للهجرة إلى الله ورسوله. وتوكلهم هو حق التوكل، أي أكمله وأحزمه فلا يضع نفسه في هذه المرتبة من لم يعمل عملهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٤) ↗