سورة العنكبوت · الآية ٥٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى: { يعبادي الذين آمنوا } بي وصدقوا رسولي { إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون } فإذا تعذرت عليكم عبادة ربكم في أرض، فارتحلوا منها إلى أرض أخرى، حيث كانت العبادة لله وحده، فأماكن العبادة ومواضعها، واسعة، والمعبود واحد، والموت لا بد أن ينزل بكم ثم ترجعون إلى ربكم، فيجازي من أحسن عبادته وجمع بين الإيمان والعمل الصالح بإنزاله الغرف العالية، والمنازل الأنيقة الجامعة لما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون. ف { نعم } تلك المنازل، في جنات النعيم { أجر العاملين } لله، { الذين صبروا } على عبادة الله { وعلى ربهم يتوكلون } في ذلك. فصبرهم على عبادة الله، يقتضي بذل الجهد والطاقة في ذلك، والمحاربة العظيمة للشيطان، الذي يدعوهم إلى الإخلال بشيء من ذلك. وتوكلهم، يقتضي شدة اعتمادهم على الله، وحسن ظنهم به، أن يحقق ما عزموا عليه من الأعمال ويكملها، ونص على التوكل، وإن كان داخلا في الصبر، لأنه يحتاج إليه في كل فعل وترك مأمور به، ولا يتم إلا به.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: العنكبوت ٥٦–٥٩) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… وأخبر أن ثوابه للمهاجرين في الدار الآخرة أعظم مما أعطاهم في الدنيا، فقال: {ولأجر الآخرة أكبر} أي: مما أعطيناهم في الدنيا {لو كانوا يعلمون} أي: لو كان المتخلفون عن الهجرة معهم يعلمون ما ادخر الله لمن أطاعه واتبع رسوله؛ ولهذا قال هشيم، عن العوام، عمن حدثه؛ أن عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، كان إذا أعطى الرجل من المهاجرين عطاءه (1) يقول: خذ بارك الله لك فيه، هذا ما وعدك الله في الدنيا، وما ادخر (2) لك في الآخرة أفضل، ثم قرأ (3) هذه الآية: {لنبوئنهم في الدنيا حسنة ولأجر الآخرة أكبر لو كانوا يعلمون} (4) . ثم وصفهم تعالى فقال: {الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون} أي: صبروا على أقل (5) من آذاهم من قومهم، متوكلين على الله الذي أحسن لهم العاقبة في الدنيا والآخرة. قال الضحاك، عن ابن عباس: لما بعث الله محمدا صلى الله عليه وسلم رسولا أنكرت العرب ذلك، أو من أنكر منهم، وقالوا: الله أعظم من أن يكون رسوله بشرا. فأنزل الله: {أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم} [يونس: 2] ، وقال {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون} يعني: أهل الكتب الماضية: أبشر كانت الرسل التي أتتكم (1) أم ملائكة؟ فإن كانوا ملائكة أنكرتم، وإن كانوا بشرا فلا تنكروا أن يكون محمد صلى الله عليه وسلم رسولا؟ [و] (2) قال تعالى: {وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى} (3) ليسوا من أهل السماء كما قلتم. وهكذا روي عن مجاهد، عن ابن عباس، أن المراد بأهل الذكر: أهل الكتاب. وقاله مجاهد، والأعمش. وقول عبد الرحمن بن زيد -الذكر: القرآن واستشهد بقوله: {إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون} [الحجر: 9]-صحيح، [و] (4) لكن ليس هو المراد هاهنا؛ لأن المخالف لا يرجع في إثباته بعد إنكاره إليه. وكذا قول أبي جعفر الباقر: "نحن أهل الذكر" -ومراده أن هذه الأمة أهل الذكر-صحيح، فإن هذه الأمة أعلم من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
التي تنوبهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٤/٢٢٦) ↗التحرير والتنوير
ثم يرجعون إلى الله. وقصد منها أيضا تهوين ما يلاقيه المؤمنون من الأذى في الله ولو بلغ إلى الموت بالنسبة لما يترقبهم من فضل الله وثوابه الخالد، وفيه إيذان بأنهم يترقبهم جهاد في سبيل الله. وقرأ الجمهور ترجعون بتاء الخطاب على أنه خطاب للمؤمنين في قوله: يا عبادي الذين آمنوا [العنكبوت: 56] . وقرأه أبو بكر عن عاصم بياء الغيبة تبعا لقوله: يغشاهم العذاب [العنكبوت: 55] . [58- 59] والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها نعم أجر العاملين (58) الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون (59) عطف على جملة: والذين آمنوا بالباطل [العنكبوت: 52] . وجيء بالموصول للإيماء إلى وجه بناء الخبر، أي نبوئنهم غرفا لأجل إيمانهم وعملهم الصالح. والتبوئة: الإنزال والإسكان، وقد تقدم عند قوله تعالى: ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق في سورة يونس [93] . وقرأ الجمهور: لنبوئنهم بموحدة بعد نون العظمة وهمزة بعد الواو. وقرأ حمزة والكسائي وخلف: لنثوينهم بمثلثة بعد النون وتحتية بعد الواو من أثواه بهمزة التعدية إذا جعله ثاويا، أي مقيما في مكان. والغرف: جمع غرفة، وهو البيت المعتلى على غيره. وتقدم عند قوله تعالى: أولئك يجزون الغرفة في آخر سورة الفرقان [75] . وجملة: نعم أجر العاملين إلخ ... إنشاء ثناء وتعجيب على الأجر الذي أعطوه، فلذلك قطعت عن العطف. وقوله: الذين صبروا خبر مبتدأ محذوف اتباعا للاستعمال، والتقدير: هم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٣) ↗