البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة العنكبوت · الآية ٥٧

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۖ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يقول تعالى: { يعبادي الذين آمنوا } بي وصدقوا رسولي { إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون } فإذا تعذرت عليكم عبادة ربكم في أرض، فارتحلوا منها إلى أرض أخرى، حيث كانت العبادة لله وحده، فأماكن العبادة ومواضعها، واسعة، والمعبود واحد، والموت لا بد أن ينزل بكم ثم ترجعون إلى ربكم، فيجازي من أحسن عبادته وجمع بين الإيمان والعمل الصالح بإنزاله الغرف العالية، والمنازل الأنيقة الجامعة لما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، وأنتم فيها خالدون. ف { نعم } تلك المنازل، في جنات النعيم { أجر العاملين } لله، { الذين صبروا } على عبادة الله { وعلى ربهم يتوكلون } في ذلك. فصبرهم على عبادة الله، يقتضي بذل الجهد والطاقة في ذلك، والمحاربة العظيمة للشيطان، الذي يدعوهم إلى الإخلال بشيء من ذلك. وتوكلهم، يقتضي شدة اعتمادهم على الله، وحسن ظنهم به، أن يحقق ما عزموا عليه من الأعمال ويكملها، ونص على التوكل، وإن كان داخلا في الصبر، لأنه يحتاج إليه في كل فعل وترك مأمور به، ولا يتم إلا به.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: العنكبوت ٥٦–٥٩) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

هذا أمر من الله لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين، إلى أرض الله الواسعة، حيث يمكن إقامة الدين، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم؛ ولهذا قال: {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون} . قال الإمام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه، حدثنا بقية بن الوليد، حدثني جبير بن عمرو القرشي، حدثني أبو سعد الأنصاري، عن أبي يحيى مولى (1) الزبير بن العوام قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "البلاد بلاد الله، والعباد عباد الله، فحيثما أصبت خيرا فأقم" (2) . ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة، ليأمنوا، على دينهم هناك، فوجدوا هناك خير المنزلين، أصحمة النجاشي ملك الحبشة، رحمه الله، آواهم وأيدهم بنصره، وجعلهم شيوما ببلاده. ثم بعد ذلك هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة (3)

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٩٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الشرك من مكة، إلى أرض الإسلام المدينة، فإن أرضي واسعة، فاصبروا على عبادتي، وأخلصوا طاعتي، فإنكم ميتون، وصائرون إلي، لأن كل نفس حية ذائقة الموت، ثم إلينا بعد الموت تردون. ثم أخبرهم جل ثناؤه عما أعد للصابرين منهم على طاعته، من كرامته عنده، فقال: {والذين آمنوا} [البقرة: 9] يعني: صدقوا الله ورسوله، فيما جاء به من عند الله، {وعملوا الصالحات} [البقرة: 25] يقول: وعملوا بما أمرهم الله

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٣٥) ↗

التحرير والتنوير

فالمعنى: أن أرضي التي تأمنون فيها من أهل الشرك واسعة، وهي المدينة والقرى المجاورة لها مثل خيبر والنضير وقريظة وقينقاع، وما صارت كلها مأمنا إلا بعد أن أسلم أهل المدينة لأن تلك القرى أحلاف لأهل المدينة من الأوس والخزرج. وأشعر قوله: فإياي فاعبدون أن علة الأمر لهم بالهجرة هي تمكينهم من إظهار التوحيد وإقامة الدين. وهذا هو المعيار في وجوب الهجرة من البلد الذي يفتن فيه المسلم في دينه وتجري عليه فيه أحكام غير إسلامية. والنداء بعنوان التعريف بالإضافة لتشريف المضاف. ومصطلح القرآن أن (عباد) إذا أضيف إلى ضمير الجلالة فالمراد بهم المؤمنون غالبا إلا إذا قامت قرينة كقوله: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء [الفرقان: 17] ، وعليه فالوصف ب الذين آمنوا لما في الموصول من الدلالة على أنهم آمنوا بالله حقا ولكنهم فتنوا إلى حد الإكراه على إظهار الكفر. والفاء في قوله: فإياي فاء التفريع والفاء في قوله: فاعبدون إما مؤكدة للفاء الأولى للدلالة على تحقيق التفريع في الفعل وفي معموله، أي فلا تعبدوا غيري فاعبدون وإما مؤذنة بمحذوف هو ناصب ضمير المتكلم تأكيدا للعبادة. والتقدير: وإياي اعبدوا فاعبدون، وهو أنسب بدلالة التقديم على الاختصاص لأنه لما أفاد الأمر بتخصيصه بالعبادة كان ذكر الفاء علامة تقدير على تقدير فعل محذوف قصد من تقديره التأكيد، وقد تقدم في قوله تعالى: وإياي فارهبون في أوائل سورة البقرة [40] . وحذفت ياء المتكلم بعد نون الوقاية تخفيفا، وللرعاية على الفاصلة. ونظائره كثيرة. [57] كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون (57) اعتراض ثان بين الجملتين المتعاطفتين قصد منها تأكيد الوعيد الذي تضمنته جملة: والذين آمنوا بالباطل [العنكبوت: 52] إلى آخرها، والوعد الذي تضمنته جملة: والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا [العنكبوت: 58] أي الموت مدرك جميع الأنفس

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/٢٢) ↗