سورة العنكبوت · الآية ٥٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: واعترض هؤلاء الظالمون المكذبون للرسول ولما جاء به، واقترحوا عليه نزول آيات عينوها، كقولهم: وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا [الإسراء: 90] الآيات. فتعيين الآيات ليس عندهم، ولا عند الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن في ذلك تدبيرا مع الله، وأنه لو كان كذلك، وينبغي أن يكون كذلك، وليس لأحد من الأمر شيء. ولهذا قال: { قل إنما الآيات عند الله } إن شاء أنزلها أو منعها { وإنمآ أنا نذير مبين } وليس لي مرتبة فوق هذه المرتبة. وإذا كان القصد بيان الحق من الباطل، فإذا حصل المقصود - بأي: طريق - كان اقتراح الآيات المعينات على ذلك ظلما وجورا، وتكبرا على الله وعلى الحق. بل لو قدر أن تنزل تلك الآيات، ويكون في قلوبهم أنهم لا يؤمنون بالحق إلا بها، كان ذلك ليس بإيمان، وإنما ذلك شيء وافق أهواءهم، فآمنوا، لا لأنه حق، بل لتلك الآيات. فأي فائدة حصلت في إنزالها على التقدير الفرضي؟ ولما كان المقصود بيان الحق، ذكر تعالى طريقه، فقال: { أولم يكفهم } في علمهم بصدقك وصدق ما جئت به { أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } وهذا كلام مختصر جامع، فيه من الآيات البينات، والدلالات الباهرات، شيء كثير، فإنه كما تقدم إتيان الرسول به بمجرده وهو أمي، من أكبر الآيات على صدقه. ثم عجزهم عن معارضته، وتحديه إياهم، آية أخرى، ثم ظهوره، وبروزه جهرا علانية، يتلى عليهم، ويقال: هو من عند الله، قد أظهره الرسول، وهو في وقت قل فيه أنصاره، وكثر مخالفوه وأعداؤه، فلم يخفه، ولم يثن ذلك عزمه، بل صرح به على رؤوس الأشهاد، ونادى به بين الحاضر والباد، بأن هذا كلام ربي، فهل أحد يقدر على معارضته، أو ينطق بمباراته أو يستطيع مجاراته؟. ثم إخباره عن قصص الأولين، وأنباء السابقين، والغيوب المتقدمة والمتأخرة، مع مطابقته للواقع. ثم هيمنته على الكتب المتقدمة، وتصحيحه للصحيح، ونفي ما أدخل فيها من التحريف والتبديل، ثم هدايته لسواء السبيل، في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه (2) عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة". أخرجاه (3) من حديث الليث (4) . وقال الله تعالى: {إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} أي: إن في هذا القرآن: {لرحمة} أي: بيانا للحق، وإزاحة للباطل و {ذكرى} بما فيه حلول النقمات ونزول العقاب بالمكذبين والعاصين، {لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} . ثم قال تعالى: قل: {كفى بالله بيني وبينكم شهيدا} (5) أي: هو أعلم بما تفيضون فيه من التكذيب، ويعلم ما أقول لكم من إخباري عنه، بأنه أرسلني، فلو كنت كاذبا عليه لانتقم مني، كما قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين} [الحاقة: 44-47] ، وإنما أنا صادق عليه فيما أخبرتكم به، ولهذا أيدني بالمعجزات الواضحات، والدلائل القاطعات. {يعلم ما في السموات والأرض} [أي] (6) : لا تخفى عليه خافية. {والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} أي: يوم معادهم سيجزيهم على ما فعلوا، ويقابلهم على ما صنعوا، من تكذيبهم بالحق واتباعهم الباطل، كذبوا برسل الله مع قيام الأدلة على صدقهم، وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل، سيجازيهم على ذلك، إنه حكيم عليم. يقول تعالى مخبرا عن جهل المشركين في استعجالهم عذاب الله أن يقع بهم، وبأس الله أن يحل
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٨٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٢٩) ↗التحرير والتنوير
المزية الخامسة: أن كون القرآن كتابا متلوا مستطاعا إدراك خصائصه لكل عربي، ولكل من حذق العربية من غير العرب مثل أيمة العربية، يبعده عن مشابهة نفثات السحرة والطلاسم، فلا يستطيع طاعن أن يزعم أنه تخيلات كما قال قوم فرعون لموسى: يا أيها الساحر [الزخرف: 49] وقال تعالى حكاية عن المشركين حين رأوا معجزة انشقاق القمر: وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر [القمر: 2] ، فأشار قوله: يعرضوا إلى أن ذلك القول صدر عنهم في معجزة مرئية. وعلق بالرحمة والذكرى قوله: لقوم يؤمنون للإشارة إلى أن تلك منافع من القرآن زائدة على ما في المعجزات الأخرى من المنفعة التي هي منفعة الإيمان بما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم. فهذه مزايا عظيمة لمعجزة القرآن حاصلة في حضرة الرسول صلى الله عليه وسلم وغيبته ومستقلة عن الحاجة إلى بيانه وتكميله بالدعوة وبتكريرها. واستحضار المؤمنين بعنوان: (قوم يؤمنون) دون أن يقال: للمؤمنين، لما في لفظ قوم من الإيماء إلى أن الإيمان من مقومات قوميتهم، أي لقوم شعارهم أن يؤمنوا، يعني لقوم شعارهم النظر والإنصاف فإذا قامت لهم دلائل الإيمان آمنوا ولم يكابروا ظلما وعلوا، فالفعل مراد به الحال القريبة من الاستقبال. وفيه تعريض بالذين لم يكتفوا بمعجزته واقترحوا آيات أخرى لا نسبة بينه وبينها. [52] قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون (52) قل كفى بالله بيني وبينكم شهيدا يعلم ما في السماوات والأرض. بعد أن ألقمهم حجر الحجة الدامغة أمر بأن يجعل الله حكما بينه وبينهم لما استمر تكذيبهم بعد الدلائل القاطعة. وهذا من الكلام المنصف المقصود منه استدراج المخاطب. وكفى بالله بمعنى هو كاف لي في إظهار الحق، والباء مزيدة للتوكيد وقد تقدم نظيره في قوله: وكفى بالله شهيدا في سورة النساء
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢١/١٦) ↗