سورة العنكبوت · الآية ٥١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: واعترض هؤلاء الظالمون المكذبون للرسول ولما جاء به، واقترحوا عليه نزول آيات عينوها، كقولهم: وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا [الإسراء: 90] الآيات. فتعيين الآيات ليس عندهم، ولا عند الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن في ذلك تدبيرا مع الله، وأنه لو كان كذلك، وينبغي أن يكون كذلك، وليس لأحد من الأمر شيء. ولهذا قال: { قل إنما الآيات عند الله } إن شاء أنزلها أو منعها { وإنمآ أنا نذير مبين } وليس لي مرتبة فوق هذه المرتبة. وإذا كان القصد بيان الحق من الباطل، فإذا حصل المقصود - بأي: طريق - كان اقتراح الآيات المعينات على ذلك ظلما وجورا، وتكبرا على الله وعلى الحق. بل لو قدر أن تنزل تلك الآيات، ويكون في قلوبهم أنهم لا يؤمنون بالحق إلا بها، كان ذلك ليس بإيمان، وإنما ذلك شيء وافق أهواءهم، فآمنوا، لا لأنه حق، بل لتلك الآيات. فأي فائدة حصلت في إنزالها على التقدير الفرضي؟ ولما كان المقصود بيان الحق، ذكر تعالى طريقه، فقال: { أولم يكفهم } في علمهم بصدقك وصدق ما جئت به { أنآ أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم } وهذا كلام مختصر جامع، فيه من الآيات البينات، والدلالات الباهرات، شيء كثير، فإنه كما تقدم إتيان الرسول به بمجرده وهو أمي، من أكبر الآيات على صدقه. ثم عجزهم عن معارضته، وتحديه إياهم، آية أخرى، ثم ظهوره، وبروزه جهرا علانية، يتلى عليهم، ويقال: هو من عند الله، قد أظهره الرسول، وهو في وقت قل فيه أنصاره، وكثر مخالفوه وأعداؤه، فلم يخفه، ولم يثن ذلك عزمه، بل صرح به على رؤوس الأشهاد، ونادى به بين الحاضر والباد، بأن هذا كلام ربي، فهل أحد يقدر على معارضته، أو ينطق بمباراته أو يستطيع مجاراته؟. ثم إخباره عن قصص الأولين، وأنباء السابقين، والغيوب المتقدمة والمتأخرة، مع مطابقته للواقع. ثم هيمنته على الكتب المتقدمة، وتصحيحه للصحيح، ونفي ما أدخل فيها من التحريف والتبديل، ثم هدايته لسواء السبيل، في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
من أهل الكتاب، فجئتهم بأخبار ما في الصحف الأولى، ببيان الصواب مما اختلفوا فيه، وبالحق الواضح البين الجلي، كما قال تعالى: {أولم يكن لهم آية أن يعلمه علماء بني إسرائيل} [الشعراء: 197] ، وقال تعالى: {وقالوا لولا يأتينا بآية (1) من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى} [طه: 133] . وقال الإمام أحمد: حدثنا حجاج، حدثنا ليث، حدثني سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه (2) عن أبي هريرة، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما من الأنبياء من نبي إلا قد أعطي من الآيات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيا أوحاه الله إلي، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا يوم القيامة". أخرجاه (3) من حديث الليث (4) . وقال الله تعالى: {إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} أي: إن في هذا القرآن: {لرحمة} أي: بيانا للحق، وإزاحة للباطل و {ذكرى} بما فيه حلول النقمات ونزول العقاب بالمكذبين والعاصين، {لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون} . ثم قال تعالى: قل: {كفى بالله بيني وبينكم شهيدا} (5) أي: هو أعلم بما تفيضون فيه من التكذيب، ويعلم ما أقول لكم من إخباري عنه، بأنه أرسلني، فلو كنت كاذبا عليه لانتقم مني، كما قال تعالى: {ولو تقول علينا بعض الأقاويل. لأخذنا منه باليمين. ثم لقطعنا منه الوتين. فما منكم من أحد عنه حاجزين} [الحاقة: 44-47] ، وإنما أنا صادق عليه فيما أخبرتكم به، ولهذا أيدني بالمعجزات الواضحات، والدلائل القاطعات. {يعلم ما في السموات والأرض} [أي] (6) : لا تخفى عليه خافية. {والذين آمنوا بالباطل وكفروا بالله أولئك هم الخاسرون} أي: يوم معادهم سيجزيهم على ما فعلوا، ويقابلهم على ما صنعوا، من تكذيبهم بالحق واتباعهم الباطل، كذبوا برسل الله مع قيام الأدلة على صدقهم، وآمنوا بالطواغيت والأوثان بلا دليل، سيجازيهم على ذلك، إنه حكيم عليم. يقول تعالى مخبرا عن جهل المشركين في استعجالهم عذاب الله أن يقع بهم، وبأس الله أن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٤٢٨) ↗التحرير والتنوير
الم (1) تقدم القول في معاني أمثالها مستوفى عند مفتتح سورة البقرة. واعلم أن التهجي المقصود به التعجيز يأتي في كثير من سور القرآن وليس يلزم أن يقع ذكر القرآن أو الكتاب بعد تلك الحروف وإن كان ذلك هو الغالب في سور القرآن ما عدا ثلاث سور وهي فاتحة سورة مريم وفاتحة هذه السورة وفاتحة سورة الروم. على أن هذه السورة لم تخل من إشارة إلى التحدي بإعجاز القرآن لقوله تعالى أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم [العنكبوت: 51] . [2] 2] أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (2) الاستفهام في أحسب مستعمل في الإنكار، أي إنكار حسبان ذلك. وحسب بمعنى ظن، وتقدم في قوله تعالى أم حسبتم أن تدخلوا الجنة في سورة البقرة [214] . والمراد بالناس كل الذين آمنوا، فالقول كناية عن حصول المقول في نفس الأمر، أي أحسب الناس وقوع تركهم لأن يقولوا آمنا، فقوله أن يتركوا مفعول أول ل حسب. وقوله أن يقولوا آمنا شبه جملة في محل المفعول الثاني وهو مجرور بلام جر محذوف مع (أن) حذفا مطردا، والتقدير: أحسب الناس تركهم غير مفتونين لأجل قولهم: آمنا، فإن أفعال الظن والعلم لا تتعدى إلى الذوات وإنما تتعدى إلى الأحوال والمعاني وكان حقها أن يكون مفعولها واحدا دالا على حالة، ولكن جرى استعمال الكلام على أن يجعلوا لها اسم ذات مفعولا، ثم يجعلوا ما يدل على حالة للذات مفعولا ثانيا. ولذلك قالوا: إن مفعولي أفعال القلوب (أي العلم ونحوه) أصلهما مبتدأ وخبر. والترك: عدم تعهد الشيء بعد الاتصال به. والترك هنا مستعمل في حقيقته لأن الذين آمنوا قد كانوا مخالطين للمشركين ومن زمرتهم، فلما آمنوا اختصوا بأنفسهم وخالفوا أحوال قومهم وذلك مظنة أن يتركهم المشركون وشأنهم، فلما أبى المشركون إلا منازعتهم طمعا في إقلاعهم عن
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٢٠٢) ↗