سورة العنكبوت · الآية ٣٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين * قال رب انصرني على القوم المفسدين } إلى آخر القصة. تقدم أن لوطا عليه السلام آمن لإبراهيم، وصار من المهتدين به، وقد ذكروا أنه ليس من ذرية إبراهيم، وإنما هو ابن أخي إبراهيم. فقوله تعالى: { وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب } وإن كان عاما، فلا يناقض كون لوط نبيا رسولا وهو ليس من ذريته، لأن الآية جيء بها لسياق المدح والثناء على الخليل، وقد أخبر أن لوطا اهتدى على يديه، ومن اهتدى على يديه أكمل ممن اهتدى من ذريته بالنسبة إلى فضيلة الهادي، والله أعلم. فأرسل الله لوطا إلى قومه، وكانوا مع شركهم، قد جمعوا بين فعل الفاحشة في الذكور، وتقطيع السبيل، وفشو المنكرات في مجالسهم، فنصحهم لوط عن هذه الأمور، وبين لهم قبائحها في نفسها، وما تؤول إليه من العقوبة البليغة، فلم يرعووا ولم يذكروا. { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين }. فأيس منهم نبيهم، وعلم استحقاقهم العذاب، وجزع من شدة تكذيبهم له، فدعا عليهم و { قال رب انصرني على القوم المفسدين } فاستجاب الله دعاءه، فأرسل الملائكة لإهلاكهم. فمروا بإبراهيم قبل، وبشروه بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، ثم سألهم إبراهيم أين يريدون؟ فأخبروه أنهم يريدون إهلاك قوم لوط، فجعل يراجعهم ويقول: { إن فيها لوطا } فقالوا له: { لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } ثم مضوا حتى أتوا لوطا، فساءه مجيئهم، وضاق بهم ذرعا، بحيث إنه لم يعرفهم، وظن أنهم من جملة أبناء السبيل الضيوف، فخاف عليهم من قومه، فقالوا له: { لا تخف ولا تحزن } وأخبروه أنهم رسل الله. { إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا } أي: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… هو أضافهم خاف (2) عليهم من قومه، وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم، ولم يعلم بأمرهم في الساعة الراهنة. {قالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين. إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون} ، وذلك أن جبريل عليه السلام اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم. وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد، وجعل [الله] (3) مكانها بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد (4) ، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد؛ ولهذا قال تعالى: {ولقد تركنا منها آية بينة} أي: واضحة، {لقوم يعقلون} ، كما قال {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون} [الصافات: 137، 138] . يخبر تعالى عن عبده ورسوله شعيب عليه السلام، أنه أنذر قومه أهل مدين، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخافوا بأس الله ونقمته وسطوته يوم القيامة، فقال: {يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر} . . قال ابن جرير: قال بعضهم: معناه: واخشوا اليوم الآخر، وهذا كقوله تعالى: {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} [الممتحنة: 6] . ثم نهاهم عن العيث في الأرض بالفساد، وهو السعي فيها والبغي على أهلها، وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان، ويقطعون الطريق على الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله، فأهلكهم الله
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٧٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٣٩٦) ↗التحرير والتنوير
والرجز: العذاب المؤلم. ومعنى كونه من السماء أنه أنزل عليهم من الأفق وقد مضى بيانه في سورة هود. [35] 35] ولقد تركنا منها آية بينة لقوم يعقلون (35) عطف على جملة ولوطا إذ قال لقومه [العنكبوت: 28] إلخ عطف آية على آية لأن قصة لوط آية بما تضمنته من الخبر، وآثار قرية قومه آية أخرى بما يمكن مشاهدته لأهل البصر. ويجوز أن تكون جملة معترضة في آخر القصة. وعلى كلا الوجهين فهو من كلام الله. ونون المتكلم المعظم ضمير الجلالة وليست ضمير الملائكة. والآية: العلامة الدالة على أمر. ومفعول تركنا يجوز أن يكون آية فيجعل (من) حرف جر وهو مجرور وصفا ل آية قدم على موصوفه للاهتمام فيجعل حالا من آية. ويجوز أن تكون (من) للابتداء، أي تركنا آية صادرة من آثارها ومعرفة خبرها، وهي آية واضحة دائمة على طول الزمان إلى الآن ولذلك وصفت ب بينة، ولم توصف آية السفينة ب بينة في قوله وجعلناها آية للعالمين [العنكبوت: 15] ، لأن السفينة قد بليت ألواحها وحديدها أو بقي منها ما لا يظهر إلا بعد تفتيش إن كان. ويجوز جعل (من) اسما بمعنى بعض على رأي من رأى ذلك من المحققين، فتكون (من) مفعولا مضافا إلى ضمير (قرية) . وتقدم بيان ذلك عند قوله تعالى ومن الناس من يقول آمنا بالله الآية في سورة البقرة [8] . والمعنى: ولقد تركنا من القرية آثارا دالة لقوم يستعملون عقولهم في الاستدلال بالآثار على أحوال أهلها. وهذه العلامة هي بقايا قريتهم مغمورة بماء بحيرة لوط تلوح من تحت المياه شواهد القرية، وبقايا لون الكبريت والمعادن التي رجمت بها قريتهم وفي ذلك عدة أدلة باختلاف مدارك المستدلين. ويتعلق قوله لقوم يعقلون بقوله تركنا، أو يجعل ظرفا مستقرا صفة ل آية.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٢٤٦) ↗