سورة العنكبوت · الآية ٣٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولوطا إذ قال لقومه إنكم لتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين * أئنكم لتأتون الرجال وتقطعون السبيل وتأتون في ناديكم المنكر فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين * قال رب انصرني على القوم المفسدين } إلى آخر القصة. تقدم أن لوطا عليه السلام آمن لإبراهيم، وصار من المهتدين به، وقد ذكروا أنه ليس من ذرية إبراهيم، وإنما هو ابن أخي إبراهيم. فقوله تعالى: { وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب } وإن كان عاما، فلا يناقض كون لوط نبيا رسولا وهو ليس من ذريته، لأن الآية جيء بها لسياق المدح والثناء على الخليل، وقد أخبر أن لوطا اهتدى على يديه، ومن اهتدى على يديه أكمل ممن اهتدى من ذريته بالنسبة إلى فضيلة الهادي، والله أعلم. فأرسل الله لوطا إلى قومه، وكانوا مع شركهم، قد جمعوا بين فعل الفاحشة في الذكور، وتقطيع السبيل، وفشو المنكرات في مجالسهم، فنصحهم لوط عن هذه الأمور، وبين لهم قبائحها في نفسها، وما تؤول إليه من العقوبة البليغة، فلم يرعووا ولم يذكروا. { فما كان جواب قومه إلا أن قالوا ائتنا بعذاب الله إن كنت من الصادقين }. فأيس منهم نبيهم، وعلم استحقاقهم العذاب، وجزع من شدة تكذيبهم له، فدعا عليهم و { قال رب انصرني على القوم المفسدين } فاستجاب الله دعاءه، فأرسل الملائكة لإهلاكهم. فمروا بإبراهيم قبل، وبشروه بإسحاق، ومن وراء إسحاق يعقوب، ثم سألهم إبراهيم أين يريدون؟ فأخبروه أنهم يريدون إهلاك قوم لوط، فجعل يراجعهم ويقول: { إن فيها لوطا } فقالوا له: { لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين } ثم مضوا حتى أتوا لوطا، فساءه مجيئهم، وضاق بهم ذرعا، بحيث إنه لم يعرفهم، وظن أنهم من جملة أبناء السبيل الضيوف، فخاف عليهم من قومه، فقالوا له: { لا تخف ولا تحزن } وأخبروه أنهم رسل الله. { إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين * إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا } أي: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… لهلاك قوم لوط، أخذ يدافع لعلهم ينظرون، لعل الله أن يهديهم، ولما قالوا: {إنا مهلكو أهل هذه القرية} ، {قال إن فيها لوطا قالوا نحن أعلم بمن فيها لننجينه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين} أي: من الهالكين؛ لأنها كانت تمالئهم على كفرهم وبغيهم ودبرهم. ثم ساروا من عنده فدخلوا على لوط في صورة شباب حسان، فلما رآهم كذلك، {سيء بهم وضاق بهم ذرعا} أي: اهتم (1) بأمرهم، إن هو أضافهم خاف (2) عليهم من قومه، وإن لم يضفهم خشي عليهم منهم، ولم يعلم بأمرهم في الساعة الراهنة. {قالوا لا تخف ولا تحزن إنا منجوك وأهلك إلا امرأتك كانت من الغابرين. إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون} ، وذلك أن جبريل عليه السلام اقتلع قراهم من قرار الأرض، ثم رفعها إلى عنان السماء، ثم قلبها عليهم. وأرسل الله عليهم حجارة من سجيل منضود، مسومة عند ربك وما هي من الظالمين ببعيد، وجعل [الله] (3) مكانها بحيرة خبيثة منتنة، وجعلهم عبرة إلى يوم التناد (4) ، وهم من أشد الناس عذابا يوم المعاد؛ ولهذا قال تعالى: {ولقد تركنا منها آية بينة} أي: واضحة، {لقوم يعقلون} ، كما قال {وإنكم لتمرون عليهم مصبحين * وبالليل أفلا تعقلون} [الصافات: 137، 138] . يخبر تعالى عن عبده ورسوله شعيب عليه السلام، أنه أنذر قومه أهل مدين، فأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وأن يخافوا بأس الله ونقمته وسطوته يوم القيامة، فقال: {يا قوم اعبدوا الله وارجوا اليوم الآخر} . . قال ابن جرير: قال بعضهم: معناه: واخشوا اليوم الآخر، وهذا كقوله تعالى: {لمن كان يرجو الله واليوم الآخر} [الممتحنة: 6] . ثم نهاهم عن العيث في الأرض بالفساد، وهو السعي فيها والبغي على أهلها، وذلك أنهم كانوا ينقصون المكيال والميزان، ويقطعون الطريق على الناس، هذا مع كفرهم بالله ورسوله، فأهلكهم الله
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٧٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٣٩٦) ↗التحرير والتنوير
ولم تقع أن المؤكدة في آية سورة هود لأن في تلك السورة تفصيلا لسبب إساءته وضيق ذرعه فكان ذلك مغنيا عن التنبيه عليه في هذه الآية فكان التأكيد هنا ضربا من الإطناب. وقد تقدم تفصيل ذلك في سورة هود وتفسيرها هناك. وبناء فعل سيء للمجهول لأن المقصود حصول المفعول دون فاعله. وعطف عليه جملة وقالوا لا تخف لأنها من جملة ما وقع عقب مجيء الرسل لوطا. وقد طويت جمل دل عليها قوله إنا منجوك وأهلك وهي الجمل التي ذكرت معانيها في قوله وجاءه قومه يهرعون إليه إلى قوله قالوا يا لوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك في سورة هود [78- 81] . وقدموا تأمينه قبل إعلامه بأنهم منزلون العذاب على أهل القرية تعجيلا بتطمينه. وعطف ولا تحزن على لا تخف جمع بين تأمينه من ضر العذاب وبين إعلامه بأن الذين سيهلكون ليسوا أهلا لأن يحزن عليهم، ومن أولئك امرأته لأنه لا يحزن على من ليس بمؤمن به. وجملة إنا منجوك تعليل للنهي عن الأمرين. واستثناء امرأته من عموم أهله استثناء من التعليل لا من النهي، ففي ذلك معذرة له بما عسى أن يحصل له من الحزن على هلاك امرأته مع أنه كان يحسبها مخلصة له، وقد بينا وجه ذلك في تفسير سورة هود. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي منجوك بسكون النون. وقرأ الباقون بفتح النون وتشديد الجيم. [34] 34] إنا منزلون على أهل هذه القرية رجزا من السماء بما كانوا يفسقون (34) جملة مستأنفة وقعت بيانا لما في جملة لا تخف ولا تحزن [العنكبوت: 33] من الإيذان بأن ثمة حادثا يخاف منه ويحزن له.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٢٤٥) ↗